كان معاوية يرى أنّ زياداً سياسيّ محنّك ووالٍ قويّ. ولو ظلّ واليا على فارس من قبل أمير المؤمنين عليه السلام، أو من قبل الإمام الحسن عليه السلام، وهو من شيعة أهل البيت وأنصارهم، لكان خطر الثورة على حكومته شديداً. ولمّا شعر بعقم تهديده زياداً، انتهج سبيلًا آخر، فناشده بصلة الرحم، وسمّاه أخاه، وابنَ أبيه، إلى أن أوقعه في الفخّ آخر الأمر. ولم يبال بسحق الحكم الثابت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: الوَلَدُ لِلفِرَاشِ ولِلعَاهِرِ الحَجَرُ، بل نسخه وأبطله بكلّ قبح ووقاحة. وأعلن على رؤوس الأشهاد أنّ زياداً وليد من نطفة أبيه أبي سفيان؛ فهو أخوه وابن أبي سفيان.
بينما يعلم المسلمون جميعهم أنّ الطفل المتولّد في الفراش من نكاح صحيح يعود إلى صاحب الفراش، لا إلى الشخص الزاني.
نقول هنا: أوّلًا: إنّ زنا أبي سفيان بسميّة غير ثابت. وكان ذلك الكلام قد صدر من أبي سفيان، واعتبره أمير المؤمنين من أمَانِيّ التَّيْهِ وكَذِبِ النَّفْسِ. وما يدرينا لعلّ قوله في مجلس عمر: أنَا وَضَعْتُهُ في رَحِمِ امِّهِ كان كذباً وبهتاناً. إذ عند ما أثنى عمرو بن العاص على خطبة زياد، وقال: لو كان هذا الغلام من قريش. فأراد أبو سفيان أن ينسب هذه الفضيلة إلى نفسه، وهو من قريش، وذلك من منطلق حبّ الشرف القبليّ.
والدليل على هذا الكلام رواية نقلها ابن أبي الحديد عن أبي عثمان. قال: كتب زياد إلى معاوية يستأذنه في الحجّ. فكتب إليه معاوية: أنّي قد أذنتُ لك، واستعملتك على الموسم، وأجزتُك بألف ألف درهم! فبينا هو يتجهّز، إذ بلغ ذلك أبا بكرة أخاه وكان مصارماً له منذ لجلج في الشهادة على المغيرة بن شعبة أيّام عمر لا يكلّمه، قد لزمته أيمان عظيمة ألّا يكلّمه أبداً فأقبل أبو بكرة يدخل القصر يريد زياداً. فبَصُر به الحاجب، فأسرع إلى زياد قائلًا: أيُّهَا الأمِيرُ! أخوك أبو بكرة قد دخل القصر! قال زياد: ويحك! أنت رأيته؟! قال الحاجب: ها هو ذا قد طلع؛ وفي حجر زياد بُنَيّ يلاعبه.
وجاء أبو بكرة حتّى وقف عليه، فقال للغلام: كيف أنت يا غلام؟! إنّ أباك ركب في الإسلام عظيماً: زنَّى امَّهُ، وانتفى من أبيه. ولا والله ما علمت سُميّة رأت أبا سفيان قطّ.
ثمّ أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك. يوافي الموسم غداً، ويوافي امّ حبيبة بنت أبي سفيان (زوجة رسول الله)[1] وهي من امّهات المؤمنين. فإن جاء يستأذن عليها، فأذنت له، فأعظم بها فِرْية على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومصيبة! وإن هي منعته، فأعظم بها على أبيك فضيحة! ثمّ انصرف أبو بكرة بعد أن تحدّث مع الغلام.
قال زياد: جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيراً! ساخطاً كنتَ أو راضياً! ثمّ كتب إلى معاوية: إنّي قد اعتللت عن الموسم، فليوجّه إليه أمير المؤمنين من أحبَّ. فوجّه معاوية عتبة بن أبي سفيان[2].
وذكر ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» لمّا ادّعى معاوية زياداً في سنة أربع وأربعين (من الهجرة) وألحقه به أخاً، زوّج ابنته من ابنه محمّد بن زياد ليؤكّد بذلك صحّة الاستلحاق.
وكان أبو بكرة أخا زياد لُامّه، امّهما جميعاً سُمَيَّة. فحلف (أبو بكرة) ألّا يكلّم زياداً أبداً وقال: هذا زَنّى امَّهُ، وانتفى من أبيه. ولا والله ما علمتُ سميّة رأت أبا سفيان قبل. ويلَهُ! ما يصنع بامّ حبيبة؟ أ يريد أن يراها؟ فإن حجبته، فضحته. وإن يراها، فيا لها من مصيبة يهتك من رسول الله صلّى الله عليه وآله حرمةً عظيمة.
وحجّ زياد مع معاوية؛ ودخل المدينة؛ فأراد الدخول على امّ حبيبة، ثمّ ذكر قول أبي بكرة، فانصرف عن ذلك. وقيل: إنّ امّ حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها. وقيل: إنّه حجّ ولم يرد المدينة من أجل قول أبي بكرة. وإنّه قال: جزى الله أبا بكرة خيراً فما يَدَع النصيحة في حال[3].
إنّ الوثيقة التأريخيّة الوحيدة لزنا أبي سفيان بسميّة كلام أبي مريم السلوليّ. وهي شهادة رجل خمّار وفاسق. وما يدرينا لعلّه افترى ذلك في مجلس الشام إرضاءً لمعاوية؟ وحينئذٍ تلد سميّة المسكينة طفلًا وهميّاً بعد سنين طويلة في التأريخ؛ وتتّهم بمثل هذه التهمة. يقول ابن أبي الحديد: وممّن عيّر معاوية بهذا عبد الرحمن بن الحَكَم بن أبي العاص أخو مروان، وهو من بني اميّة. فقد دخل يوماً على معاوية مع جماعة من بني اميّة، وقال: يَا مُعَاوِيَةُ! لَوْ لَمْ تَجِدْ إلَّا الزَّنْجَ لَاسْتَكْثَرْتَ بِهِمْ عَلَيْنَا قِلَّةً وذِلَّةً! فقال معاوية لمروان: أخرج عنّا هذا الخليع المتهتّك الصلف فأخرجه مروان. وشرح ذلك مفصّل.
وعبد الرحمن بن الحكم هو الذي أنشد الأبيات الآتية في هجاء معاوية وزياد:
ألَا أبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ *** لَقَدْ ضَاقَتْ بِمَا يَأتِي اليَدَانِ
أتَغْضَبُ أنْ يُقَالُ: أبُوكَ عَفٌ *** وتَرْضَى أنْ يُقَالَ: أبُوكَ زَانِ
فأشْهَدُ أنَّ رِحْمَكَ مِنْ زِيَادٍ *** كَرِحْمِ الفِيلِ مِنْ وَلَدِ الأتَانِ
وَأشْهَدُ أنَّهَا حَمَلَتْ زِيَاداً *** وصَخْرٌ مِنْ سُمَيَّةَ غَيْرُ دَانِ[4]
يقول في البيت الثالث أن لا نسب ولا قرابة بين معاوية وزياد كما لا نسب بين الفيل وولد الأتان (انثى الحمار). ويقول لمعاوية: أنت في الشرف كالفيل الضخم، وزياد في الوضاعة كولد الأتان.
ثانياً: لو فرضنا أنّ أبا سفيان زنى بسميّة، فمن أين نعلم أنّ زياداً قد صُوِّر من نطفة أبي سفيان؟ بل المورد هو المقصود من كلام رسول الله:الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ[5]. أي: عند عدم وجود دليل قطعيّ عقليّ، كأن يكون الزوج قد سافر مثلًا قبل مدّة الحمل، أو كان في السجن، وحملت المرأة. وعند عدم وجود دليل قطعيّ شرعيّ، كأن تكون مدّة الحمل بين المواقعة وتولّد الطفل أقلّ من ستّة أشهر، وبصورة عامّة، عند عدم وجود حجّة عقليّة وشرعيّة، ينبغي أن يُلْحَق الطفل بصاحب الفراش فيما لو ولد من الزنا، واحتملنا ولادته بسبب الزنا. أي: يلحق بزوج تلك المرأة، لا بالزاني. وللفراش الصحيح أمارة لصحّة النسب.
ثالثاً: لو تيقّنّا أنّ زياداً كان من نطفة أبي سفيان، كأن يقوم دليل عقليّ أو حجّة شرعيّة على أنّ زياداً لا يمكن أن يكون ابن عُبَيْد، كأن تكون مدّة الحمل منذ مواقعةِ عبيدٍ سُمَيَّةَ أقلّ من ستّة أشهر، أو أكثر من مدّة الحمل المعهودة (تسعة أشهر أو عشرة أو سنة على حسب اختلاف الأقوال) أو كان عُبَيْد غائباً، وأمثال ذلك، وبصورة عامّة، لو ثبت عقلًا وشرعاً أنّ زياداً ولد بسبب زنا أبي سفيان بامّه، فلا يمكن أن نعتبره ابناً لأبي سفيان.
[1] ذلك أنّها عرضت نفسها لرجل أجنبيّ، و هي ناموس النبيّ و عرضه، فتكون قد هتكت ناموسه و عرضه بذلك. و قد نزلت آية الحجاب: وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ. و الآية: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فيها و في أمثالها من نساء النبيّ صلّى الله عليه و آله
[2] . «شرح نهج البلاغة» ج 16، ص 188 و 189، طبعة دار الكتب العربيّة.
[3] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 16، ص 189؛ و «الاستيعاب» ج 2، ص 526.
[4] «شرح نهج البلاغة» ج 16، ص 189 و 190؛ و «الاستيعاب» ج 2، ص 527.
[5] تحدّث المرحوم آية الله الميرزا حسن البجنورديّ رضوان الله عليه حديثاً وافياً حول القاعدة العامّة: الولد للفراش و للعاهر الحجر في كتابه المفيد: «القواعد الفقهيّة» ج 4، ص 21 إلى 44.