يقول ابن عبد ربّه الأندلسيّ: لمّا بلغ معاوية موت (الإمام) الحسن (المجتبى) بن عليّ (بن أبي طالب)، خرّ ساجداً للّه؛ ثمّ أرسل إلى ابن عبّاس و(مَن) كان معه في الشام، فعزّاه وهو مستبشر (بموت الإمام الحسن عليه السلام).
وقال (معاوية لابن عبّاس): ابن كم سنة مات أبو محمّد (الإمام الحسن)؟
فقال (ابن عبّاس) له: سنّه كان يسمع في قريش؛ فالعجب من أن يجهله مثلك.
قال (معاوية): بلغني أنّه ترك أطفالًا صغاراً.
قال (ابن عبّاس): كلّ ما كان صغيراً يكبر؛ وإنّ طفلنا لكهل؛ وإنّ صغيرنا لكبير. ثمّ قال: ما لي أراك يا معاوية مستبشراً بموت الحسن بن عليّ؟ فو الله لا ينسأ في أجلك! ولا يسدّ حفرتك! وما أقلّ بقاءك وبقاءنا بعده! ثمّ خرج ابن عبّاس، فبعث إليه معاوية ابنه يزيد، فقعد بين يديه، فعزّاه واستعبر لموت الحسن؛ فلمّا ذهب أتبعه ابن عبّاس ببصَره وقال: إذا ذهب آل حرب، ذهب الحلُم من الناس[1].
أجل، إنّ حديث المنزلة الذي نقلنا بعض رواياته في هذا البحث يمنح مقام الوزارة والخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام بالنصّ الصريح، ويجعله كالنبيّ. ولو لم تُخْتَم النبوّة برسول الله، لحاز أمير المؤمنين منصب النبوّة أيضاً بلا شكّ وشبهة. بَيدَ أنّ كافّة المناصب من خلافة وإمارة وإمامة ووصاية واخوّة ثابتة للإمام بمقتضى هذا الحديث.
ونقل المرحوم السيّد هاشم البَحْرانيّ في «غاية المرام» عن ابن أبي الحديد عين الاستدلال الذي أتى به الشيعة على ولاية الإمام مستنبَطاً من الآية القرآنيّة وحديث المنزلة، وقد نقله بحذافيره قائلًا: قال ابن أبي الحديد: «و الذي يدلّ على أنّ عَلِيَّاً عَلِيْهِ السَّلَامُ وزير رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من نصّ الكتاب والسنّة قول الله تعالى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[2].
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.
وعلى هذا ثبت لأمير المؤمنين عليه السلام جميع مراتب هارون ومنازله من موسى، فإذَاً عَلِيّ وَزِيرُ رَسُولِ اللهِ. ولو لا أنّه خاتم النبيّين، لكان شريكاً له في أمره انتهى كلام ابن أبي الحديد.
ثمّ قال المحدّث البحرانيّ رحمة الله عليه: انظر إلى ما رواه المخالفون في النصّ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعده بالنصّ المجمع على روايته بين فرق الإسلام كما ذكره ابن أبي الحديد، وذكره غيره أيضاً. وهذا صريح من المخالفين أنّ رسول الله ما مات حتّى نصّ على عليّ بأنّه الإمام والخليفة والوزير. وهذا عين ما تقوله الشيعة.
لذلك نجد أنّ إنكار النصّ من بعض المخالفين كابن أبي الحديد في بعض المواضع من شرحه على نهج البلاغة باطل، لقيام البرهان على خلافه، واعترافه بالنصّ كما ذكرناه نحن من كلامه هذا من أنّ جميع مراتب هارون ومنازله من موسى هي ثابتة لعليّ عليه السلام، ما عدا النبوّة. لأنّ رسول الله خاتم الأنبياء، وإلّا كان شريكاً له في النبوّة.
وهذا يقتضي بالصريح من النصّ على عليّ عليه السلام بالإمامة والخلافة والوزارة التي هي مراتب هارون من موسى. وهذا واضح بيّن لا خفاء فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وأعُوذُ بِاللهِ سُبْحَانَهُ وتعالى مِنَ الضَّلَالَةِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الهُدَى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ[3].
[1] «العقد الفريد» ج 3، ص 124 و 125، الطبعة الاولى، سنة 1331 ه.
[2] الآيات 29 إلى 32، من السورة 20: طه.
[3] «غاية المرام» ص 126، الحديث المائة عن العامّة.