خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالمدينة أيّام وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وتعرف بالخطبة الطالوتيّة لورود كلمة طالُوت فيها.
وروى الكليني هذه الخطبة أيضاً بسنده المتّصل الآخر عن أبي الهَيْثَمَ بْنِ التَّيِّهان، قال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس، فقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ كَانَ حَيَّاً بِلَا كَيْفٍ. وواصل خطبته في ذكر صفات الربّ، وهي رائعة جدّاً. ويشهد الإمام فيها على وحدانيّة الله، ورسالة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. حتّى بلغ قوله: أيَّتُهَا الامَّةُ التي خُدِعَتْ فَانْخَدَعَتْ، وعَرَفَتْ خَدِيْعَةَ مَنْ خَدَعَهَا؛ فَأصَرَّتْ على مَا عَرَفَتْ، واتَّبَعَتْ أهْواءَهَا؛ وضَرَبَتْ في عَشْوَاءِ غَوَائِهَا، وقَدِ اسْتَبَانَ لَهَا الحَقُّ، فَصَدَّتْ عَنْهُ، والطَّرِيقُ الوَاضِحُ فَتَنَكَّبَتْهُ.
أمَا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ لَوِ اقْتَبَسْتُمُ العِلْمَ مِنْ مَعْدِنِهِ؛ وشَرِبْتُمُ المَاءَ بِعُذُوبَتِهِ؛ وادَّخَرْتُمُ الخَيْرَ مِنْ مَوْضِعِهِ وأخَذْتُمُ الطَّرِيقَ مِنْ واضِحِهِ وسَلَكْتُمْ مِنَ الحَقِّ نَهَجَهُ، لَنَهَجَتْ بِكُمُ السُّبُلُ، وبَدَتْ لَكُمُ الأعْلامُ؛ وأضَاءَ لَكُمُ الإسلام؛ فَأكَلْتُمْ رَغَدَاً، ومَا عَالَ فِيكُمْ عَائِلٌ؛ ولَا ظُلِمَ مِنْكُمْ مُسْلِمٌ ولَا مُعَاهِدٌ؛ ولكِنْ سَلَكْتُمْ سَبِيلَ الظَّلَامِ؛ فَأظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ دُنْيَاكُمْ بِرَحْبِهَا وسُدَّتْ عَلَيْكُم أبْوابُ العِلْمِ، فَقُلْتُمْ بِأهْوائِكُمْ واخْتَلَفْتُمْ في دِينِكُمْ، فَأفْتَيْتُمْ في دِينِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، واتَّبَعْتُمُ الغُوَاةَ فَأغْوَتْكُمْ وتَرَكْتُمُ الأئِمَّةَ فَتَرَكُوكُمْ.
فَأصْبَحْتُمْ تَحْكُمُونَ بِأهْوَائِكُمْ، إذَا ذُكِرَ الأمْرُ سَألْتُمْ أهْلَ الذِّكْرِ، فَإذَا أفْتَوْكُمْ قُلْتُمْ هُوَ العِلْمُ بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ وقَدْ تَرَكْتُمُوهُ، ونَبَذْتُمُوهُ، وخَالَفْتُمُوهُ! رُوَيْدَاً عَمَّا قَلِيلٍ تَحْصُدُونَ جَمِيعَ مَا زَرَعْتُمْ! وتَجِدُونَ وَخِيمَ مَا اجْتَرَمْتُمْ! ومَا اجْتَلَبْتُمْ! والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي صَاحِبُكُمْ والَّذِي بِهِ امِرْتُمْ، وأنِّي عَالِمُكُمْ، والَّذِي بِعِلْمِهِ نَجَاتُكُمْ؛ ووَصِيّ نَبِيِّكُمْ، وخِيَرَةُ رَبِّكُمْ، ولِسَانُ نُورِكُمْ والعالِمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ؛ فَعَنْ قَلِيلٍ رُوَيْدَاً يَنْزِلُ بِكُمْ مَا وُعِدْتُمْ ومَا نَزَلَ بِالامَمِ قَبْلَكُمْ وسَيَسْألُكُمُ اللهُ عَزَّ وجلَّ عَنْ أئِمَّتِكُمْ؛ مَعَهُم تُحْشَرُونَ وإلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَدَاً تَصِيرُونَ.
أمَا واللهِ لَوْ كانَ لي عِدَّةُ أصْحَابِ طَالُوتَ؛ أوْ عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ، وهُمْ أعْدَادُكُمْ لَضَرَبْتُكُمْ بِالسَّيْفِ حتّى تَئُولُوا إلى الحَقِّ وتُنِيبُوا لِلصِّدْقِ؛ فَكَانَ أرْتَقَ لِلْفَتْقِ، وآخَذَ بِالرِّفْقِ. اللَهُمَّ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ.
وأتمّ الإمام خطبته حتّى هذا الموضع، ثمّ خرج من المسجد، فمرّ بصِيرَة[1] فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: لو أنّ لي رجالًا ينصحون للّه عزّ وجلّ ولرسوله بعدد هذه الشياه، لأزلت ابن آكلة الذُّبَّان عن مُلكه[2].
[1] صِيرَة بكسر الصاد: حظيرة تتّخذ من الحجارة و أغصان الشجر للغنم و البقر
[2] . عبّر الإمام عن أبي بكر بابن آكلةِ الذُّبَّانِ تحقيراً له، لأنّهم كانوا في الجاهليّة يأكلون من كلّ خبيث