قال أبو هيثم بن التيهان راوي هذه الرواية: فلمّا أمسى، بايعه ثلاثمائة وستّون رجلًا على الموت، لا يتركون نصرته. فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: اغدوا بنا إلى أحجار الزَّيت[1] دار عين أو محلّقين رؤوسكم[2].
ولبس الإمام حَلْقته أو حلق رأسه. ولم يواف من القوم محلّقاً إلّا أبو ذرّ، والمقداد، وحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم.
فقال الإمام: اللهمّ اشهد أنّ هؤلاء القوم استضعفوني كما استضعف بنو إسرائيل هارون.
اللَهُمَّ فَإنَّك تَعْلَمُ مَا نُخْفي ومَا نُعْلِنُ ومَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيءٌ في الأرْضِ ولَا في السَّماءِ[3] تَوَفَّنِي مُسْلِماً وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ[4].
أما وربّ البيت الحرام، وربّ المفضي إلى البيت -المفضي إلى البيت يعني ماسّه بيده وهو النبيّ الأكرم- والخفاف والأقدام إلى التجمير بمنى، لو لا عهد عهده إليّ النبيّ الامّيّ، لأوردتُ المخالفين خِلج المنيّة، ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت. وعن قليل سيعلمون[5].
ومن هنا يستبين جيّداً أنّ سبب عدم قيام أمير المؤمنين عليه السلام لأخذ الولاية بعد وفاة رسول الله يتمثّل في وصيّة رسول الله الأكيدة له إذ أوصاه أن لا يشهر سيفه عند عدم وجود الناصر والمعين، وعند غلبة العدوّ، ذلك أنّ المعارضين مصرّون على استلاب حقوقه، وعزله عن الإمامة والولاية. وإذا ما نشبت الحرب بين الطرفين، فسيقتل عدد كبير منهما. وحينئذٍ ينتكس الإسلام لا محالة. فلهذا ما عليه إلّا الصبر والتحمّل عند فقدان الناصر والمعين.
روى الشيخ الصدوق في كتاب «كمال الدين وتمام النعمة» عن ابن الوليد، عن ابن الحسن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن اذَيْنَة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن سُلَيم بن قَيْس الهِلِاليّ، قال: سمعت سلمان الفارسيّ يقول: كنت جالساً بين يدي رسول الله في مرضه الذي قبض فيه، فدخلت فاطمة عليها السلام، فلمّا رأت ما بأبيها من الضعف، بكت حتّى جرت دموعها على خدّيها.
فقال لها رسول الله: ما يبكيكِ؟ قالت: يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك! فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء، ثمّ قال: يا فاطمة! أ ما علمتِ أنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا؟ وأنّه حتم الفناء على جميع خلقه.
ثمّ فصّل الكلام حول خلق أهل البيت، ومقاماتهم ودرجاتهم.
ومقامات فاطمة ودرجاتها وميزاتها التي خصّها الله بها، ومنها وجود الأئمّة الأحد عشر من نسلها، وآخرهم مهديّ هذه الامّة.
ثُمَّ أقْبَلَ على عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا أخِي! إنَّكَ سَتَبْقَى بَعْدِي وسَتَلْقَى مِنْ قُرَيْشٍ شِدَّةً مِنْ تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكَ وظُلْمِهِمْ لَكَ! فَإنْ وَجَدْتَ أعْوَانَاً فَجَاهِدْهُمْ وقَاتِلْ مَنْ خَالَفَكَ بِمَنْ وَافَقَكَ! وإنْ لَمْ تَجِدْ أعْوَانَاً فَاصْبِرْ وكُفَّ يَدَك ولَا تُلْقِ بِهَا إلى التَّهْلُكَةِ! فَإنَّكَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، ولَكَ بِهَارُونَ اسْوَةٌ حَسَنَةٌ إذِ اسْتَضْعَفَهُ قَوْمُهُ وكادُوا يَقْتُلُونَهُ؛ فَاصْبِرْ لِظُلْمِ قُرَيْشٍ إيَّاكَ وتَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكَ فَإنَّكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ ومَنْ تَبِعَهُ؛ وهُمْ بِمَنْزِلَةِ العِجْلِ ومَنْ تَبَعَهُ. إلى آخر الحديث[6].
يتحصّل من هذه القرائن القطعيّة أنّ مناوئي عليّ والمبادرين إلى سقيفة بني ساعدة، الذين نسوا النبيّ ووفاته، وتجهيزه وتكفينه، وسارعوا إلى السقيفة طلباً للرئاسة، لم يتورّعوا عن ارتكاب أي جناية وخيانة من أجل تحقيق مآربهم، ولو أدّى ذلك إلى قتل عدد كبير من المسلمين وإراقة دمائهم؛ وضياع الإسلام والقرآن، ومحو اسم الله ورسوله.
فلهذا نرى أنّ القوم زحفوا على بيت النبوّة لأخذ البيعة من عليّ بن أبي طالب ومرافقيه الذين اعتصموا في بيت فاطمة الزهراء. وانتهك المهاجمون حرمة الزهراء، فصفعوا وجهها، وضربوا متنها بالسوط، وضغطوها بين الباب والجدار، حتّى انكسر ضلعها، وسقط جنينها ووقعت على الأرض، ثمّ فارقت الحياة بعد مدّة. وفعلوا ما فعلوه لأنّ السيّدة الصدّيقة حالت بينهم وبين أخذ عليّ إلى المسجد للبيعة.
[1] . أحجار الزيت موضع داخل المدينة.
[2] عبارة الإمام: اغدوا بنا إلى أحْجَار الزَّيت مُحَلِّقين. و قال الملّا صالح المازندرانيّ في «شرح اصول و روضة الكافي» ج 11، ص 281: مُحَلِّقِين، أي: لابسين الحَلْقة. و الحلقة بسكون اللام مطلق السلاح أو الدرع خاصّة. و يحتمل أنّ المراد: محلّقين رؤوسكم و لعلّ الإمام أمرهم بذلك ليصير شعاراً لهم، و ليخبر مدى طاعتهم و أمتثالهم.
[3] اقتباس من الآية 38، من السورة 14: إبراهيم: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ. و هذا هو دعاء إبراهيم في ساحة القدس الإلهيّ.
[4] الآية 101، من السورة 12: يوسف. و هذا هو دعاء يوسف في ساحة القدس الإلهيّ.
[5] «روضة الكافي» ص 31 إلى 33.
[6] «كمال الدين» للصدوق، ج 1، ص 262 إلى 264، في فصل نصّ النبيّ على القائم عليه السلام، طبعة مؤسّسة النشر الإسلاميّ؛ و كتاب «سليم بن قيس» ص 69 إلى 79 مع اختلاف يسير في اللفظ.