روى المؤرّخ الشهير والمحدّث الأمين المسعوديّ عن أبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، عن محمّد بن حميد الرازيّ، عن أبي مجاهد، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي نجيح، قال: لمّا حجّ معاوية، طاف بالبيت ومعه سعد (بن أبي وقّاص)؛ فلمّا فرغ، انصرف معاوية إلى دَارِ النَّدْوَةِ[1]، فأجلسه معه على سريره؛ ووقع معاوية في عليّ، وشرع في سبّه.
فزحف سعد ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك، ثمّ شرعتَ في سبّ على! والله لان يكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعليّ أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
والله لئن أكون صهراً لرسول الله، وأنّ لي من الولد ما لعليّ أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
والله لئن يكون رسول الله قال لي ما قاله يوم خيبر: لُاعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدَاً رَجُلًا يُحِبُّهُ اللهُ ورَسُولُهُ، ويُحِبُّ اللهَ ورَسُولَهُ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ يِفَتْحُ اللهُ على يَدَيْهِ. أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
والله لئن يكون رسول الله قال لي ما قاله في غزوة تبوك: أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
(قال سعد هذه الكلمات، ونهض، وقال لمعاوية): وأيم الله لا دخلتُ لك داراً ما بقيت! وقال المسعوديّ بعد هذه الرواية: ووجدت في وجه آخر من الروايات -و ذلك في كتاب عليّ بن محمّد بن سليمان النوفليّ في الأخبار- عن ابن عائشة وغيره، أنّ سعداً لمّا قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم، ضَرَطَ له معاوية، وقال له: اقعد حتّى تسمع جواب ما قلت! ما كنتَ عندي قطّ ألأم منك الآن، فهلّا نصرتَه؟ ولِمَ قعدتَ عن بيعته؟! فإنّي لو سمعتُ من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مثل الذي سمعتَ فيه، لكنتُ خادماً لعليّ ما عشت! فقال سعد: والله إنّي لأحقّ بموضعك منك! فقال معاوية: يأبى عليك ذلك بنو عُذْرَة! وكان سعد فيما يقال رجلًا من بني عذرة. قال النوفليّ: وفي ذلك يقول السيّد ابن محمّد الحِمْيَريّ:
سَائِلْ قُرَيْشاً بِهَا إنْ كُنْتَ ذَا عَمَةٍ *** مَنْ كَانَ أثْبَتَهَا في الدِّينِ أوْتَادَا
مَنْ كَانَ أقْدَمَهَا سِلْمَاً وأكْثَرَهَا *** عِلْمَاً وأطْهَرَهَا أهْلًا وأوْلَادَا
مَنْ وَحَّدَ اللهَ إذْ كَانَتْ مُكَذِّبَةً *** تَدْعُو مَعَ اللهِ أوْثَانَاً وأنْدَادَا
مَنْ كَانَ يُقْدِمُ في الهَيْجَاءِ إنْ نَكَلُوا *** عَنْهَا وإنْ بَخِلُوا في أزْمَةٍ جَادَا
مَنْ كَانَ أعْدَلَهَا حُكْمَاً وأقْسَطَهَا *** حِلْمَاً وأصْدَقَهَا وَعْدَاً وإيعَادَا
إنْ يَصْدُقُوكَ فَلَمْ يَعْدُو أبَا حَسَنٍ *** إنْ أنْتَ لَمْ تَلْقَ لِلأبْرَارِ حُسَّادَا
إنْ أنْتَ لَمْ تَلْقَ مِنْ تَيْمٍ أخَا صَلَفٍ *** ومِنْ عَدِيّ لِحَقِّ اللهِ جُحَّادَا
أوْ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أوْ مِنْ بَني أسَدٍ *** رَهْطِ العَبِيدِ ذَوِي جَهْلٍ وأوْغَادَا
أوْ رَهْطِ سَعْدٍ وسَعْدٌ كَانَ قَدْ عَلِمُوا *** عَنْ مُسْتَقِيمِ صِرَاطِ اللهِ صَدَّادَا
قَوْمٌ تَدَاعَوا زَنِيمَاً ثمَّ سَادَهُمُ *** لَوْ لا خُمُولُ بَنِي زُهْرٍ لَمَا سَادَا[2]
يمدح السيّد الحِمْيَريّ أمير المؤمنين عليه السلام في هذه القصيدة، ويعرّض ويذمّ الذين توقّفوا عن بيعته، وقعدوا عن نصرته[3].
[1] كانت دار الندوة تمثّل مجلس الشورى لعرب الجاهليّة. إذ كان رؤساؤهم يجتمعون فيها للتشاور و اتّخاذ القرار في الشؤون المهمّة.
[2] «مروج الذهب» ج 3، ص 23 و 24، طبعة مطبعة السعادة سنة 1367. و من طبعة مطبعة دار الأندلس، ص 14 و 15. و هذه القصيدة في ديوان السيّد إسماعيل الحميريّ، من ص 160 إلى ص 162، تحت الرقم 45. روى ذلك أوّلًا عن «مروج الذهب» ج 3، ص 24. و ثانياً: ذكر البيت الأوّل، و الثاني، و الخامس، و الثالث، و السابع عن «أعيان الشيعة» ج 12، ص 239، و نقل بيتاً آخر- و هو الذي جعله البيت السادس في الديوان- عن ص 136 من «أعيان الشيعة»، و البيت هو:
إذَا أتَى مَعْشَرَاً يَوْمَاً أنَامَهم *** إنَامَةَ الرِّيحِ في تَدْمِيرِهَا عَادَا
أي إذا جاء أبو الحسن عليّ بن أبي طالب لقتال جماعة المشركين في يوم من الأيّام، فإنّه ينيمهم على الأرض كما أنامت الريح قوم عاد. إذاً، جاءت هذه القصيدة في ديوان الحميريّ ذات أحد عشر بيتاً. و روى في «الاستيعاب» ج 3، ص 1133 الأبيات السبعة الاولى عن الحميريّ.
[3] يقصد الحميريّ من «تيم أخا صَلَف» طلحة بن عبيد الله الذي نكث بيعة أمير المؤمنين عليه السلام و تحرّك لحربه في واقعة الجمل. و كذلك تيم اسم قبيلة عائشة. و المراد من عديّ الجاحد حقّ الله عبد الله بن عمر، و هو من قبيلة عدي، و من المتخلّفين عن موكب المبايعين؛ و القصد من بني أسَدْ الزبير بن العوّام الذي نكث البيعة أيضاً و دخل في قضيّة الجمل؛ إذ إنّ الزبير من بني أسَدْ بن العُزَّى بن قُصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي. و كذلك كان ولده عبد الله قد أدّى دوراً كبيراً في تأجيج نار الحرب. و المراد من رهط سعد، سعد بن أبي وقّاص. و اسم أبي وقّاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة. و المقصود من بني زهر بنو زهرة، قبيلة سعد بن أبي وقّاص. و كان قد جاء في كلام معاوية و هو يخاطب سعد بن أبي وقّاص: يأبى عليك ذلك (الخلافة) بنو عذرة. و قال معاوية هذا الكلام لسعد و هو يسخر منه و يضرط له. و فيه كناية عن القدح في نسبه؛ ذلك أنّه أراد أن يشعره أنّه ليس من قريش! و ينبغي أن يكون الخليفة من قريش! و نسبه يرجع إلى بني عذرة.