موقف سعد بن أبي وقّاص أدّى به إلى الانعزال وسوء الفهم مع سوابقه المشرقة في الإسلام. ومُنيَ بالعجب والغرور نتيجة للمكانة التي جعلها له عامّة الناس على أساس كلام رسول الله: اللَهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ، وأجِبْ دَعْوَتَهُ[1]! ووجد نفسه في مقام تعذّر معه التنازل لأمير المؤمنين، والانضواء تحت رايته. وتحوّل من التهوّر والشجاعة النفسانيّة إلى الجبن والوضاعة، وأسكن نفسه وأخلى وِفاضه بشبهة واهية تتمثّل في أنّ المؤمنين لا يقتتلون وأنّه ليس عنده سيف يميّز المؤمن عن الكافر.
لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام خليفة واجب الإطاعة وفقاً لبيعة المسلمين إيّاه، مضافاً إلى النصوص النبويّة الماثورة الدالّة على خلافته الحقّة وولايته وإمارته الإلهيّة، والجاعلة أوامره كأوامر الله ورسوله، والقاضية بوجوب طاعة أوامره وأحكامه في الحرب والسلم، في ضوء قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[2]. وكان على الإمام بحكم القرآن الكريم أن يعاقب كلّ مسلم معتد باغ لا يبايع ولا يقرّ بالولاية، وينوي إراقة الدماء والفساد في الأرض، وإن كان مسلماً، أو كان عدد البغاة بالآلاف.
ألم يقرأ سعد بن أبي وقّاص هذه الآية في القرآن الكريم، ليعلم أنّ سيف عليّ هو سيف الحقّ، وهو الفارق بين الحقّ والباطل والمؤمن والكافر؟ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[3].
على ضوء هذه الآية، يحقّ لأمير المؤمنين أن يقاتل البغاة المتمرّدين الذين لا يستسلمون للحقّ ولا يتّبعونه كمعاوية، وأصحاب الجمل، والنهروان، بعد الخطب والرسائل وإتمام الحجج. ويقف بوجه الفساد، وينقذ الحكومة المركزيّة من التفرقة، ويقمع المعتدين وأتباعهم، ويقرّ حكومة واحدة للُامّة الإسلاميّة في أرجاء الوطن الإسلاميّ، كما كان ذلك في عهد النبيّ.
إن سعد بن أبي وقّاص مدان في احتجاجه بحكم هذه الآية. وليس من حقّه أن ينسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام القتال خبط عشواء بلا مراعاة للإيمان والكفر. وعلى ضوء هذه الآية القرآنيّة، يجب قتل المسلم المعتدي الذي لا يستسلم للحقّ. وأنّ قيمة الإنسان بشرف تسليمه واتّباعه الحقّ، لا بإسلامه الظاهريّ. وللكافر المستعدّ لاتّباع الحقّ ميزة على المسلم الذي ليس كذلك. ويسمّى الإسلام إسلاماً بسبب التسليم للحقّ والابتعاد عن الباطل.
إن سعداً الذي كان أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المهاجرين، وكاتب النبيّ الذي كتب كتابه إلى يهود خيبر[4]، والذي كان أكبر من عليّ بن أبي طالب عليه السلام سنّاً[5]، وأحد أعضاء الشورى، لا ينبغي له أن يغتّر ويقول: أنا كذا وكذا، ولا يحضر في جيش عليّ. وهذا ليس احتياطاً، بل هو خدعة نفسانيّة تظهر على شكل انعزال؛ وهو مكيدة شيطانيّة تظهر بطابع التنسّك، والتظاهر بالصلاح، والمبيت في مسجد.
وذلك سعد الذي كان يعرف عليّاً جيّداً، وكان مطّلعاً على سوابقه. وروى بعض الأحاديث في مدحه وفضله. فلا يحقّ له أن يقف بوجهه. أنّه على خطأ.
[1] «الاستيعاب» ج 2، ص 608. و رواه في ص 607 بقوله: اللهمّ سدّد سهمه، و أجب دعوته.
[2] الآية 59، من السورة 4: النساء.
[3] الآية 9، من السورة 49: الحجرات.
[4] نقل المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» ج 4، ص 90، طبعة الكمبانيّ، عن كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد، عن ابن عبّاس، قال: لمّا بُعث محمّد صلّى الله عليه و آله أمر أن يكتب إلى أهل الكتاب يعني اليهود و النصارى كتاباً. و كان كاتبه يومئذ سعد بن أبي وقّاص، فكتب إلى يهود خيبر: بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد بن عبد الله الامّيّ رسول الله إلى يهود خيبر: أمّا بعد؛ فإنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم- الحديث.
[5] روى في «الاستيعاب» ج 2، ص 607 عن الواقديّ، عن سلمة، عن عائشة بنت سعد، عن سعد، قال: أسلمت و أنا ابنُ تسع عشرة سنة. فإذا كان إسلامه في أوّل البعثة إذ كان عمر أمير المؤمنين عليه السلام عشر سنوات، فهو يكبر الإمام بتسع سنين. و روى ابن سعد في طبقاته، ج 3، ص 148 و 149 عن عائشة بنت سعد قالت: مات أبي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل إلى المدينة على رقاب الرجال. و صلّى عليه مروان بن الحكم و هو يومئذ و إلى المدينة. و ذلك في سنة 55 ه و كان يوم مات ابن بضع و سبعين سنة. و في ضوء الرواية السابقة إذا كان عمره في أوّل البعثة تسع عشرة سنة، فقد بلغ السابعة و الثمانين يوم موته. و ذكر في «الاستيعاب» ج 2، ص 610، عن أبي زُرعة، عن أحمد بن حنبل أنّ سعد بن أبي وقّاص مات أيّام معاوية و هو ابن ثلاث و ثمانين سنة.