كان سعد في الأيّام الأخيرة من حياته ينقل فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ويحدّث بمزاياه التي اختصّ بها، وكان قد سمعها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ولكن ما جدوى ذلك وقد سبق السيف العَذَل إذ فُلقت هامة عليّ عليه السلام في محراب العبادة، وأنشب معاوية مخالبه الدمويّة في أقصى أرجاء البلاد، وابيحت مكّة قتلًا وسلباً إذ أغار عليها بُسْر بن أرْطَاة، وذبح هذا المتوحّش ولَدَي عبيد الله بن العبّاس. وعُدّ سبّ عليّ ولعنه وشتمه على المنابر من الواجبات في خطبة الجمعة والعيدين في أنحاء العالم الإسلاميّ. وما هو تأثير عدّ ابن أبي وقّاص مناقب عليّ لأبنائه وبنته[1]، أو لرجلين عراقيّين[2]؟ لقد تركتَ عليّاً وحده عند ما كانت السلطة ليست بيد معاوية! وخذلته ولم تنصره! وجعلته يواجه جمّاً غفيراً من المناوئين والأعداء وطلّاب الدنيا! والآن إذ بلغ السيل الزُّبى وتفرّق عنه جيشه، وخذله أصحابه، وأرغموا وصيّه الحسن المجتبى على بيعة طاغي زمانه بعد ما تركوه وحده بلا ناصر ولا معين، أنت جالس في قصرك بالعقيق تحدّث بمناقب عليّ! ما جدوى ذلك؟ حدّث وتكلّم بها، لكن ما نفعها وفائدتها؟ واجلس في بيتك واعبد، لكن أي عبادة هي؟! ورحم الله آية الله السيّد محمود الشاهروديّ وتغمّده برضوانه، كان أحد أساتذتيّ في الفقه بالنجف الأشرف، وسمعته يقول أثناء الدرس على المنبر: ثلاثة يصيرون من أهل التنسّك الجافّ والعبادات الشكليّة الفاقدة لمعناها، وهم: 1 طالب العلوم الدينيّة الكسول. 2 التاجر المفلس. 3 الحاكم المعزول.
وكان عبد الله بن عمر أيضاً يتحسّر ويتأوّه في آخر عمره على عدم نصرته أمير المؤمنين عليه السلام في قتاله الفِئَة البَاغِيَة (معاوية ومن كان معه).
قال ابن عبد البرّ: روي بطرق مختلفة عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر أنَّهُ قَالَ: مَا آسى على شَيءٍ إلَّا أنِّي لَمْ اقَاتِلْ مَعَ عَلِيّ الفِئَةَ البَاغِيَةَ[3].
وروى الدارقطنيّ أيضاً في «المؤتَلَف والمختَلَف» بسنده عن ابن عمر قال: مَا آسى على شَيءٍ إلَّا عَلَى ألَّا أكُونَ قَاتَلْتُ الفِئَةَ البَاغِيَةَ على صَوْمِ الهَوَاجِرِ[4].
وروى بسند آخر عنه أيضاً، قال: مَا أجِدُنِي آسى على شَيءٍ فَاتَنِي مِنَ الدُّنْيَا إلَّا أنِّي لَمْ اقَاتِلِ الفِئَةَ البَاغِيَةَ مَعَ عَلِيّ[5].
وروى بسند آخر عنه عند موته أنّه قال: مَا أجِدُ في نَفْسِي مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا شَيْئاً، إلَّا أنِّى لَمْ اقَاتِلِ الفِئَةَ البَاغِيَةَ مَعَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ[6].
ونقل بسند آخر أيضاً قوله: مَا آسي على شَيءٍ إلَّا تَرْكِي قِتَالَ الفِئَةِ البَاغِيَةِ مَعَ عَلِيٍ[7].
ومضمون هذه الروايات ومفادها أنّه لم يأسف ويأسَ على شيء فاته من الدنيا إلّا قتال الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب. بَيْدَ أنّ هذا الرجل يجلس تحت منبر الحجّاج بن يوسف الثقفيّ ليسمع خطبته ويبايع عبد الملك بن مروان. ثمّ يقتل على يد الحجّاج[8].
[1] عامر، و مصعب، و إبراهيم، و عمر. و بنته عائشة كانت من الرواة.
[2] وردت رواية بسند متّصل عن الحارث بن ثعلبة في «الأمالي» للمفيد، ص 55 إلى 58، في المجلس السابع، طبعة جماعة المدرّسين. و ملخّصها: قدم رجلان يريدان مكّة و المدينة في الهلال أو قبل الهلال، فوجدا الناس ناهضين إلى الحجّ. قالا: فخرجنا معهم فإذا نحن بركب فيهم رجل كأنّه أميرهم. فانتبذ منهم فقال[ لنا]: كونا عراقيّين؟! قلنا: نحن عراقيّان! قال: كونا كوفيّين؟! قلنا: نحن كوفيّان! قال: ممّن أنتما؟ قلنا: من بني كنانة. قال: من أي كنانة؟ قلنا: من بني مالك بن كنانة. قال: رحب على رحب و قرب على قرب! إنّني انشد كما بكلّ كتاب منزل و نبيّ مرسل، أسمعتما عليّ بن أبي طالب يسبُّني أو يقول: إنّه معادي أو مقاتلي؟! قلنا: من أنتَ؟ قال: أنا سعد بن أبي وقّاص. قلنا: لا. قال: أ سمعتماه يضنّ باسمي[ و يذكرني بسوء]؟ قالا:[ قلنا]: لا. قال: الله أكبر؛ الله أكبر قد ضللت إذاً ... بعد أربع سمعتهنّ من رسول الله صلّى الله عليه و آله فيه لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من الدنيا و ما فيها أُعمّر فيها عمر نوح. ثمّ ذكر سعد هذه الأربع و منها: أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي- الحديث. (و ورد هذا الحديث في «بحار الأنوار» ج 9، ص 435، طبعة الكمبانيّ، و من الطبعة الحديثة ج 40، ص 39 إلى 41؛ كذلك ورد في «غاية المرام» ص 129، الحديث 12).
[3] «الاستيعاب» ج 3، ص 1117.
[4] «الاستيعاب» ج 3، ص 953.
[5] نفس المصدر.
[6] نفس المصدر.
[7] «الاستيعاب» ج 3، ص 953. و وردت في «تاريخ دمشق»، الجزء الخاصّ بترجمة أمير المؤمنين عليه السلام، الجزء الثالث في التعليقة ص 173 و 174 روايات كثيرة عن مصادر مختلفة في تأسّف عبد الله بن عمر على قعوده عن القتال و عدم نصرة أمير المؤمنين عليه السلام.
[8] ذكر في «الاستيعاب» ج 3 ص 952 و 953 قائلًا: قال أبو عمر: مات عبد الله بن عمر بمكّة سنة 73. و كان الحجّاج قد أمر رجلًا فسمّ زُجَّ رمحه و زحمه في الطريق، و وضع الزجّ في ظهر قدمه. و ذلك أنّ الحجّاج خطب يوماً و أخّر الصلاة فقال ابن عمر: إنّ الشمس لا تنتظرك! فقال له الحجّاج: لقد هممتُ أن أضرب الذي فيه عيناك! قال: إن تفعل فإنّك سفيه مسلّط! و قيل: إنّه أخفى قوله ذلك عن الحجّاج و لم يسمعه. و كان يتقدّم في المواقف بعرفة و غيرها إلى المواضع التي كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم وقف بها. فكان ذلك يعزّ على الحجّاج، فأمر الحجّاج رجلًا معه حَربة يقال: إنّها كانت مسمومة. فلمّا دفع الناس من عرفة، لصق به ذلك الرجل فأمَرَّ الحربة على قدمه و هي في غرز راحلته فمرض منها أيّاماً. فدخل عليه الحجّاج يعوده، فقال له: من فعل بك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: و ما تصنع به؟! قال: قتلني الله إن لم أقتله! قال: ما أراك فاعلًا! أنتَ الذي أمرت الذي نخسني بالحربة. فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن! و خرج عنه. و نقل في «سفينة البحار» في مادّة عَبَدَ عن «گلزار قدس»(/ روضة القدس) للمحقّق الكاشانيّ قال: لمّا دخل الحجّاج مكّة و صلب ابن الزبير، راح عبد الله بن عمر إليه، و قال: مدّ يدك لُابايعك لعبد الملك. قال رسول الله: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة. فأخرج الحجّاج رجله و قال: خذ رجلي فإنّ يدي مشغولة. فقال ابن عمر: أ تستهزئ منيّ؟ قال الحجّاج: يا أحمق بني عَديّ! ما بايعتَ عليّاً و تقول اليوم: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة! أ وَ ما كان عليّ إمام زمانك؟ و الله ما جئتَ إليّ لقول رسول الله! بل جئت مخافة تلك الشجرة التي صلب عليها ابن الزبير.