نقل الشيخ الطوسيّ لقاء معاوية سعداً بالمدينة. فقد روى في أماليه بسنده عن عِكْرَمَة صاحب ابن عبّاس قال: لمّا حجّ معاوية، نزل المدينة فاستؤذن لسعد بن أبي وقّاص عليه. فقال لجلسائه: إذا أذنت لسعد وجلس، فخذوا من عليّ بن أبي طالب.
فأذن له ودخل سعد وجلس مع معاوية على السرير. وشتم القوم أمير المؤمنين عليه السلام. فانسكبت عينا سعدٍ بالبكاء.
فقال له معاوية: ما يبكيك يا سعد؟! أ تبكي إن شتم قاتل أخيك عثمان بن عفّان؟!
قال سعد: والله ما أملك البكاء؛ خرجنا من مكّة مهاجرين حتّى نزلنا هذا المسجد يعني مسجد رسول الله؛ فكان فيه مبيتنا ومقيلنا إذ اخرجنا منه وتُرك عليّ بن أبي طالب فيه فاشتدّ ذلك علينا وهُبنا نبيّ الله أن نذكر ذلك. [فلهذا] أتينا عائشة فقلنا: يَا امَّ المُؤْمِنِينَ! إنّ لنا صحبة مثل عليّ، وهجرة مثل هجرة عليّ! وإنّا قد اخرجنا من المسجد وتُرك فيه فلا يُدرى من سخط من الله أو من غضب من رسوله؟! فاذكري ذلك لرسول الله!
قالت عائشة: فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال لها: يَا عائِشَةُ! لَا واللهِ مَا أنَا أخْرَجْتُهُمْ ولَا أنَا أسْكَنْتُهُ، بَلِ اللهُ أخْرَجَهُمْ وأسْكَنَهُ[1]!
وغزونا خيبر فانهزم عنها ما انهزم؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لُاعطِيَّنَ الرَّايَةَ اليَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ ورَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسُولُهُ.
فدعاه [رسول الله] وهو أرمد فتفل في عينه وأعطاه الراية ففتح الله له.
وغزونا تبوك مع رسول الله فودّع عليّ النبيّ في ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ وبكى. فقال له النبيّ: ما يبكيك؟!
فقال: كيف لا أبكي ولم أتخلّف عنك في غزاة منذ بعثك الله! فما بالك تخلفني في هذه الغزاة؟!
فقال له الرسول: أ مَا تَرْضَى يَا عَلِيّ أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؟! قَالَ عَلِيّ: بَلَى رَضيِتُ[2]!
وقال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: ذكر أبو أحمد العسكريّ في كتاب الأمالي أنّ سعد بن أبي وقّاص دخل على معاوية عام الجماعة فلم يسلّم عليه بإمرة المؤمنين.
فقال له معاوية: لو شئت أن تقول في سلامك غير هذا لقلت!
فقال سعد: نحن المؤمنون ولم نؤمّرك كأنّك بَهَجْتَها أنّك فيها يا معاوية! والله ما يسرّني ما أنت فيه وإنّي هرقت محجمة دم!
قال معاوية: لكنّي وابن عمّك عليّاً يا أبا إسحاق قد هرقنا أكثر من محجمة ومحجمتين! هلمّ واجلس معي على السرير!
فجلس سعد معه، فذكر له معاوية اعتزاله الحرب يعاتبه!
فقال سعد: إنّما كان مثلي ومثل الناس كيوم أصابتهم ظلمة، فقال واحد منهم لبعيره: إخْ. فأناخ حتّى أضاء له الطريق!
فقال معاوية: يا أبا إسحاق! ما في كتاب الله إخ. وإنّما فيه: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ[3].
فو الله ما قاتلت الفئة الباغية ولا المبغي عليها؛ فأفحمه.
[1] روى علماء الشيعة و العامّة في كتبهم مضمون هذا الحديث بَلِ اللهُ أدْخَلَهُ وَ أخْرَجَكُمْ على نحو الاستفاضة. و من هؤلاء: الإمام الحافظ عليّ بن حسن بن هبة الله الشافعيّ المعروف بابن عساكر الذي كان يعيش في القرن السادس. رواه في تاريخه المعروف: «تاريخ دمشق» عند ترجمة عليّ بن أبي طالب في ج 2، ص 312 إلى 314 بأربعة أسانيد مختلفة تحت الرقم 816 إلى الرقم 819.
و أخرج في ج 3، ص 55، الحديث 1094 بسنده أنّ سعد بن مالك (أبا سعيد الخدريّ) أتى سعد بن أبي وقّاص، فقال له سعد: بلغني أنّكم تعرضون على سبّ عليّ بالكوفة! فهل سببته؟ قال سعد بن مالك: معاذ الله! قال سعد بن أبي وقّاص: و الذي نفس سعد بيده لقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم يقول في عليّ شيئاً لو وضع المنشار على فرقي[ ظ] على أن أسبّه ما سببته أبداً.
[2] «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 129 و 130، الحديث 14.
[3] الآية 9، من السورة 49: الحجرات.