روى أحمد بن حنبل بسنده في مسنده عن ابن عبّاس، قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وخرج الناس في غزاة تبوك؛ فقال عليّ عليه السلام: أخرج معك يا رسول الله؟! فقال له النبيّ صلوات الله عليه: لا! فبكى عليّ.
فَقَالَ لَهُ: أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ، إنَّهُ لَا يَنْبَغِي أنْ أذْهَبَ إلَّا وأنْتَ خَلِيفَتِي[1]!
وروى ابن المغازليّ بإسناده، قال: لمّا خرج رسول الله إلى غزاة تبوك، خلف عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم.
فأرجف المنافقون، وقالوا: ما أخلفه إلّا استثقالًا، أو تخفيفاً منه. فلمّا قال ذلك المنافقون، أخذ عليّ بن أبي طالب عليه السلام سلاحه، ثمّ خرج إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو نازل بالجُرف[2]، فقال: يا رسول الله! زعم المنافقون أنّك إنّما خلفتني، تستثقلني؛ أو تخفّف منيّ!
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: كذبوا! ولكنّي خلفتك لما تركتُ ورائي! فارجع، فاخلفني في أهلي وأهلك! ألا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. فرجع عليّ عليه السلام إلى المدينة. ومضى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بسفره[3].
أجل، علينا أن نعرف السبب الكامن وراء استخلاف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة في هذه الغزوة. وهو الذي شهد المشاهد كلّها مع رسول الله في بدر، واحد، والأحزاب، وحُنَيْن، وغيرها بلا استثناء. ولم يشترك فيها فحسب، بل كان الفاتح الوحيد في بَدْر، والأحزاب، وحُنَيْن، وخَيْبر، وكان الحامي الفريد لرسول الله في الأخطار والخطوب العظيمة كاحُد.
ومبدئيّاً، ما ذا كان معنى الاستخلاف؟ وما هو دوره الخطير في تلك المهمّة؟ وكيف كان الوضع في المدينة آنذاك، إذ قال رسول الله: يا عليّ! المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك؟! ولما ذا نطق بتلك الجملة التأريخيّة في حديث المنزلة؟
لا بدّ لنا في البداية أن نلقي نظرة مجملة، ثمّ نظرة مفصّلة على أوضاع المدينة يومئذٍ، ونتحدّث في مجال المتطلّبات، والكيفيّات، والعلاقات العامّة للناس وقتذاك وذلك من أجل أن تستبين هذه الحقيقة.
[1] «غاية المرام» ص 114، الحديث 48، عن العامّة.
[2] الجُرف بضمّ الجيم و سكون الراء موضع يبعد عن المدينة فرسخاً واحداً. جعل رسول الله الموعد فيه، فيجتمع الجيش كلّه فيه، ثمّ ينطلق منه.
[3] «غاية المرام» ص 114، الحديث 50، عن العامّة.