كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة ووقعت بين رجب ورمضان. ولم يكن الوقت بينها وبين وفاة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أكثر من سنة ونصف. وكانت الأوضاع في المدينة تتأزّم يوماً بعد آخر بسبب وجود المنافقين ومؤامراتهم على رسول الله والمسلمين. وازداد تصلّبهم وعنفهم على مرّ الأيّام.
وبلغ إيذاؤهم المسلمينَ ورسولَ الله درجة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال فيه: مَا اوذِيَ نَبِيّ مِثْلَ مَا اوذِيتُ قَطُّ.
وتعود هذه الكلمة إلى إيذاء المنافقين كما ذهب إلى ذلك والدنا المعنويّ، ومربّينا الروحيّ، واستاذنا المعظّم: سماحة العلّامة الفقيد آية الله العظمى السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ أعلى الله مقامه الشريف.
ذلك أنّ بعض الأنبياء قد اوذوا أضعاف ما اوذي نبيّنا. فمنهم من نشر بالمنشار من وسط الشجرة. ومنهم من القي في الماء المغليّ والزيت الحارّ؛ ومن الطبيعيّ أنّ نبيّنا الكريم لم يتعرّض لهذه الضروب من الأذى. بَيدَ أنّه تجرّع الغصص وعانى من المنافقين ما لم يكن مثله عند أنبياء الامم السالفة.
وعند ما نشط الإسلام، وزادت شوكة المسلمين وقدرتهم، أخذت حروب النبيّ وغزواته بالتناقص. ولم يذق تلك المرارات، وتضاءل حجم القتال مع العدوّ. ولمّا فتحت مكّة والطائف، وهما خندقان مهمّان للمشركين وقد دمّرا، ولم يجد المشركون ملجاً آخر لهم، آمن كثير منهم بالإسلام إيماناً ظاهريّاً، بَيْدَ أنّهم كانوا مشركين باطنيّاً. وكذلك آمن كثير من أهل الكتاب بخاصّة اليهود إيماناً شكليّاً، لكنّهم ظلّوا على عقيدتهم الاولى في الباطن.
وكان هؤلاء يعيشون بين المسلمين، وقد عاشروهم، وشاركوهم في مراسمهم الدينيّة والعباديّة، وحتّى السياسيّة. بيد أنّهم كانوا في الحقيقة يضعون العقبات والعراقيل في طريقهم. وما برحوا يثيرون الفتن والقلاقل والاضطرابات.
واتّسع هذا المعنى على كرور الأيّام؛ وازدادت تنظيمات المنافقين وتكتّلاتهم وتوطّدت علاقاتهم مع المشركين والكافرين ومن كان خارج المدينة؛ وإذ بأعداء الإسلام في موقعة احُد، وبَدْر، والأحزاب قد تقمّصوا الإسلام وتغلغلوا في صفوف المسلمين متردّدين بينهم. وحضروا في مساجدهم ومحافلهم. ومارسوا أعمالهم كسائر المسلمين في الظاهر، لكنّهم كانوا في الباطن ينهجون غير سبيل رسول الله تماماً. وكان النبيّ من جهة مكلّفاً أن يقبل إسلام من يشهد الشهادتين ويعتقد بالصلاة والزكاة ظاهريّاً، ويعدّه مسلماً، ويعامله معاملة المسلمين. ومن جهة اخرى لم تكن له قدرة على مواجهة المنافقين واستئصال شوكتهم ما لم تقم حجّة شرعيّة في الظاهر، وما لم يرتكبوا جريمة في محكمة الإسلام. فلهذا كان أمر المنافقين عويصاً، وأصبحت قضيّتهم معضلة من المعضلات التي واجهها الإسلام.
وكان أبو عامر الراهب الذي لقّبه النبيّ الأكرم بالفاسق من رؤسائهم. فهو من قساوسة النصارى بالمدينة سابقاً، وأسلم، ثمّ فرّ إلى مكّة خائفاً بسبب مؤامراته على رسول الله، وبعد فتح مكّة، هرب إلى الطائف. وبعد فتح الطائف لاذ بالفرار نحو الشام. وكان في صراع دائم مع المسلمين هناك. وتواطأ مع منافقي المدينة ومكّة؛ وكان يدعمهم ويعزّز موقفهم باستمرار، ويعدهم أنّه سيذهب إلى الروم، ويأتي إلى المدينة بجيش غفير من إمبراطور الروم، ويقضي على النبيّ والمسلمين بزعمه.
وكان منافقو المدينة وعلى رأسهم عبدُ اللهِ بْنُ أبي وجَدُّ بْنُ قَيس يمهّدان الأجواء لعودة أبي عامر إلى المدينة من خلال بثّ الأراجيف بين المسلمين، وتخويفهم بجيش الروم الجرّار، وإرعابهم بعسكر الاكَيْدِر الذي كان يحكم دُومَة الجَنْدَل[1] التي تبعد عن المدينة كثيراً. وشاع في المدينة أيضاً أنّ هرقل سلطان الروم جاء إلى تبوك على رأس أربعين ألف مقاتل؛ وتحالف مع أربع طوائف مهمّة. وهو عازم على التوجّه إلى المدينة بأموال وأثقال ومواشٍ كثيرة لقتل المسلمين، ونهب أموالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم. وكانوا يبثّون هذا الخبر في كلّ يوم بنحو يجعل المسلمين في خوف وقلق دائمين ويرون أنفسهم بانتظار هجوم يقوم به الجيش المذكور. وكانت هذه الامور قد غيّرت وضع المسلمين في المدينة.
وفي الوقت نفسه كانت الآيات القرآنيّة تنزل بلهجة حادّة تماماً وهي تأمر المسلمين بالتعبئة العامّة، وترغّبهم في التضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. وكان النبيّ يتحدّث إلى المسلمين علناً حول حرب الروم ليتجهّزوا ويتهيّأوا في العدّة والعدد. وتأهّب المسلمون كافّة للجهاد، وتحرّكوا مع رسول الله بجيش عظيم.
[1] جاء في «الطبقات» لابن سعد، ج 2، ص 166: أنّ بين دومة الجندل و بين المدينة خمس عشرة ليلة. و قال في «معجم البلدان»: و هي على سبع مراحل من دمشق بينها و بين مدينة الرسول.(و كلّ مرحلة ثمانية فراسخ و مسافة يوم واحد). و قال أيضاً: دُومة الجُندل بضمّ الدال و فتحها. و قد أنكر ابن دريد الفتح و عدّه من أغلاط المحدّثين. فأمّا دومة فعليها سور يتحصّن به. و في داخل السور حصن منيع يقال له مارد. و هو حصن اكَيْدِر بن عبد الملك بن عبد الحيّ بن أعيا بن الحارث. و كان سلطانه. و فتح خالد بن الوليد هذا الحصن، و أسلم اكَيْدِر فأشخصه خالد إلى المدينة، و عقدت معاهدة بينه و بين النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم.