كان رسول الله يعرف حالاتهم ونيّاتهم جيّداً، فرأى أنّه لا بدّ من استخلاف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في المدينة مكانه ليحول دون فسادهم. ولا أحد يقدر على مواجهة المنافقين وإحباط مؤامراتهم إلّا عليّ بن أبي طالب؛ وبالمال فإنّه لمّا كان يعلم أنّ قتلًا لن يحدث في هذه التعبئة وأنّ الحاجة إلى قوّة عليّ البدنيّة والقلبيّة قائمة إذ هو كالأسد الغضوب يشقّ الصفوف، ويقمع العدوّ، لهذا نصبه في المدينة خليفة له.
فَأوْحَى اللهُ تعالى إلَيْهِ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ العَلِيّ الأعْلَى يَقْرَا عَلَيْكَ السَّلَامَ ويَقُولُ لَكَ: إمَّا أنْ تَخْرُجَ أنْتَ ويُقيِمَ عَلِيّ؛ وإمَّا أنْ يَخْرُجَ عَلِيّ وتُقِيمَ أنْتَ!
فقال رسول الله ذاك لعليّ. فقال عليّ: سمعاً وطاعة لأمر الله وأمر رسوله؛ وإن كنت احِبّ أن لا أتخلّف عن رسول الله في حال من الأحوال.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أمَا تَرْضَى أنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؟ فقال عليّ: رضيت يا رسول الله.
فقال رسول الله: يَا أبَا الحَسَنِ! إنَّ لَكَ أجْرَ خُرُوجِكَ مَعِي في مَقَامِكَ بِالمَدِينَةِ وإنَّ اللهِ قَدْ جَعَلَكَ امَّةً وَحْدَكَ كَمَا جَعَلَ إبْرَاهِيمَ امَّةً، تَمْنَعُ جَمَاعَةَ المُنَافِقِينَ والكُفَّارِ هَيْبَتُكَ عَنِ الحَرَكَةِ عَلَى المُسْلِمِينَ!
ولمّا خرج رسول الله من المدينة إلى معسكره وشيّعه عليّ بن أبي طالب، خاض المنافقون وقالوا: إنّما خَلَفه محمّد بالمدينة لبغضه له وملالته منه. وما أراد بذلك إلّا أن يبيّته المنافقون فيقتلوه ويحاربوه، فيهلكوه.
فوصل أمير المؤمنين عليه السلام إلى رسول الله وقال: تسمع ما يقولون يا رسول الله؟!
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أمَا يَكْفِيكَ أنَّكَ جَلْدَة مَا بَيْنَ عَيْنَيّ ونُورُ بَصَرِي وكَالرُّوحِ في بَدَنِي؟![1]
وقفل أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة راجعاً، وانبرى إلى صيانة المدينة وحفظها من كيد المنافقين، واضطلع بمهمّة الحفاظ على عيال رسول الله وأهله، إلى أن عاد النبيّ والمسلمون بعد سفرهم الذي دام شهرين تقريباً.
أمَّا النظرة المفصّلة، فنقول: إنّ الأنباط وهم جمع النَّبَط كانوا من العجم القاطنين بين العراق والشام. وكانوا يسافرون إلى المدينة في الجاهليّة والإسلام لشراء أمتعتهم وبيعها كالدَّرْمَك[2] والزَّيْت (دقيق القمح الأبيض وزيت الزيتون) وكانوا مصدر الأخبار التي تصل من الشام إلى
المسلمين لكثرة تردّدهم عليها فأخبروا المسلمين أنّ هِرْقِل إمبراطور الروم[3] يمتار لجيشه سنة كاملة، وقد اتّحد مع لَخْم وجُذَام وغَسَّان وعامِلَة وهم من نصارى العرب. وهو متأهّب للتحرّك نحو المدينة. ووصلت مقدّمة ذلك الجيش إلى البَلْقَاء[4] وعسكروا بها. وتخلّف هرقل نفسه في حِمْص[5].
من الطبيعيّ أنّ الامور لم تكن كذلك، وإنّما كانت إشاعة فحسبُ بثّت بين المسلمين[6].
ولمّا لم يكن للمسلمين آنذاك عدوّ أخطر وأشدّ من الروم لأنّ المسلمين كانوا يرون التجّار الذين يأتون إلى المدينة للتجارة كيف كانوا ذوي إمكانيّات وأموال ومواشي وتجهيزات كثيرة وعدد كبير فلهذا كان رسول الله يورّي في جميع غزواته ويخفي مكان الحرب ابتداءً؛ بَيدَ أنّه أعلن في هذه الغزوة أنّه عازم على حرب الروم، وذلك من أجل أن يتهيّأ الناس ويعدّوا أسباب السفر والخيول والإبل والمؤن وسائر التجهيزات بنحو كافٍ ووافٍ، ويتأهّبوا لرحلة طويلة.
وكانت تلك الرحلة في حمّارة القيظ؛ ولذلك بيّن للناس أنّ عليهم أن يتحرّكوا بجيش جرّار وأموال طائلة. وأوفد مبعوثين عنه إلى مكّة والقبائل ليتأهبّوا للجهاد.
[1] «بحار الأنوار» ج 6، ص 635، طبعة الكمبانيّ، عن تفسير الإمام العسكريّ عليه السلام.
[2] ضبطه المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 6، ص 624 طبعة الكمبانيّ: الدرثوك نقلًا عن «تفسير عليّ بن إبراهيم»؛ و قال عن الجوهريّ: الدُّرثوك ضرب من البسط و الخمل و تشبه به فروة البعير.
[3] ورد في «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 150 ما نصّه: و قيل للروم بنو الأصفر لأنّهم ولد روم بن العيص بن إسحاق نبيّ الله. و كان يسمّى الأصفر لصفرة به. فقد ذكر العلماء بأخبار القدماء أنّ العيص تزوّج بنت عمّه إسماعيل فولدت له الروم. و كان به صفرة، فقيل له: الأصفر. و قيل: الصفرة كانت بأبيه العيص- انتهى. و قال المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 6، ص 626: قال في «القاموس»: بنو الأصفر ملوك الروم أولاد الأصفر بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. أو لأنّ جيشاً من الحبشة غلب عليهم فوطيء نساءهم، فوُلد لهم أولاد صفر.
[4] قال في «معجم البلدان» البلقاء كورة من أعمال دمشق بين الشام و وادي القرى قصبتها عمّان.
[5] و قال: حمص بالكسر ثمّ السكون، و الصاد مهملة. بلد مشهور قديم كبير مسوّر. و هي بين دمشق و حلب في نصف الطريق. و وردت هذه القصّة أيضاً في تفسير «الميزان» ج 9، ص 312، عن «تفسير القمّيّ».
[6] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 148؛ و «الكامل في التاريخ» لابن الأثير، ج 2، ص 277. و قال محمّد حسين هيكل في كتاب «حياة محمّد» ص 425 حول سبب غزوة تبوك: و لم تكن ناحية من نواحي شبه الجزيرة إلّا بدأت تحسّ سلطان محمّد. و لم تحاول طائفة أو قبيلة أن تقاوم هذا السلطان إلّا بعث النبيّ إليها قوّة يحملها على الإذعان بدفع الخراج و البقاء على دينها أو الإسلام و دفع الزكاة. و فيما[ كانت] عينه على بلاد العرب جميعاً حتّى لا ينتقض فيها منتقض، و حتّى يستتبّ الأمن في ربوعها من أقصاها و إذ اتّصل بمحمّد نبأ من بلاد الروم أنّها تهيّئ جيوشاً لغزو حدود العرب الشماليّة غزواً ينسي الناس انسحاب العرب الماهر في مؤتة. و ينسى الناس ذكر العرب و سلطان المسلمين الزاحف في كلّ ناحية ليتاخم سلطان الروم في الشام، و سلطان فارس في الحيرة. و اتّصل به النبأ مجسماً أيّما تجسيم.
و قال في ص 429: و انطلق الجيش بعد ذلك قاصداً تبوك. و كانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش و قوّته، فآثرت الانسحاب بجيشها الذي كانت وجّهت إلى حدودها ليحتمي داخل بلاد الشام في حصونها. فلمّا انتهى المسلمون إلى تبوك و عرف محمّد أمر انسحاب الروم و نُمى إليه ما أصابهم من خوف، لم يَرَ محلًّا لتتّبعهم داخل بلادهم، و أقام عند الحدود يناجز من شاء أن ينازله أو يقاومه.