قال علي بن إبراهيم القمّيّ: وأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعسكره وضرب في ثَنِيَّة الوَدَاع. وأمر أهل الجدة (الأغنياء) أن يعينوا من لا قوة به. ومن كان عنده شيء أخرجه وحملوا وقووا وحثّوا على ذلك. وخطب رسول الله فقال: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ؛ وأوْلَى القَوْلِ كَلِمَةُ التَّقْوَى؛ وخَيْرُ المِلَلِ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ؛ وخَيْرُ السُّنَنِ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ؛ وأشْرَفُ الحَدِيثِ ذِكْرُ اللهِ، وأحْسَنُ القَصَصِ هَذا القُرْآنُ؛ وخَيْرُ الامُورِ عَزَائِمُهَا؛ وشرُّ الامُورِ مُحْدَثَاتُهَا؛ وَأحْسَنُ الهَدْى هَدْيُ الأنْبِياءِ؛ وأشرَفُ القَتْلِ قَتْلُ الشُّهَدَاءِ؛ وأعْمَى العَمَى الضَّلَالَةُ بَعْدَ الهُدَى؛ وخَيْرُ الأعْمَالِ مَا نَفَعَ؛ وخَيْرُ الهَدْى مَا اتُّبِعَ، وشَرُّ العَمَى عَمَى القَلْبِ؛ واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى؛ ومَا قَلَّ وكَفى خَيْرٌ ممَّا كَثُرَ وألْهَى؛ وشَرُّ المَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ المَوْتُ؛ وشَرُّ النَّدَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَأتِي الجُمُعَةَ إلَّا نَزْرَاً، ومِنْهُمْ مَنْ لَا يَذْكُرُ اللهَ إلَّا هَجْراً؛ ومِنْ أعْظَمِ الخَطَايَا اللِّسَانُ الكَذُوبُ؛ وخَيْرُ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ؛ وخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى؛ ورَأسُ الحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللهِ؛ وخَيْرُ مَا الْقِيَ في القَلْبِ اليَقِينُ؛ والارْتِيابُ مِنَ الكُفْرِ؛ والنِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ؛ والغُلُول مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ؛ والسَّكَرُ جَمْرُ النَّارِ؛ والشِّعْرُ مِنْ إبْلِيسَ؛ والخمْرُ جِمَاعُ الإثْمِ؛ والنِّسَاءُ حَبَائِلُ إبْلِيسَ؛ والشَّبَابُ[1] شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ؛ وشَرُّ المَكَاسِبِ كَسْبُ الرِّبَا؛ وشَرُّ المآكِلِ أكْلُ مَالِ اليَتِيمِ؛ والسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ؛ والشَّقِيّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ امِّهِ؛ وإنَّمَا يَصِيرُ أحَدُكُمْ إلى مَوْضِعِ أرْبَعَةِ أذْرُعٍ[2]؛ والأمْرُ إلى آخِرِهِ؛ وملاكُ العَمَلِ خَوَاتِيمُهُ؛ وأرْبَى الرِّبَا الكَذِبُ؛ وكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ؛ وسِبَابُ المُؤْمِنِ فِسْقٌ؛ وقِتَالُ المُؤْمِنِ كُفْرٌ؛ وأكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ؛ وحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ؛ ومَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ؛ ومَنْ صَبَرَ ظَفَرَ؛ ومَنْ يَعْفُ عَنِ النَّاسِ يَعْفُ اللهُ عَنْهُ؛ ومَنْ كَظَمَ الغَيْظَ يَأجُرْهُ اللهُ؛ ومَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللهُ؛ ومَنْ يَتْبَعِ السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللهُ بِهِ؛ ومَنْ يَصُمْ يُضَاعِفِ اللهُ لَهُ؛ ومَنْ يَعْصِ اللهُ يُعَذِّبْهُ؛ اللهُمَّ اغْفِرْ لي ولُامَّتِي؛ اللَهُمَّ اغْفِرْ لي ولُامَّتِي؛ أسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولَكُمْ[3].
أجل، هذه الخطبة القصيرة للرسول الأعظم كسائر خطبه القصار، ومنها خطبته حين التحرّك إلى غزوة احد[4]، تحتوي على مضامين عالية ومهمّة ومترعة بالحكم والأخلاق والمعارف والآداب. ومن الضروريّ حقّاً أن تُشْرَحَ شرحاً وافياً.
[1] جاء الشباب بمعنى التَّشْبِيب. يقال: قصيدةٌ حَسَنَةُ الشَّباب. أي: استعمل فيها التشبيب جيّداً. و التشبيب هو ذكر أيّام الشباب و اللهو و التغزّل. و هو وصف الشاعر محاسن النساء. و شرح هيامه و انجذابه إليهنّ.
[2] الذراع: الطول من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، و هو قرابة نصف متر و أربعة أذرع يعني مترين. و فيه كناية عن مقدار القبر.
[3] «تفسير القمّيّ» ص 266 و 267؛ و «الميزان» ج 9، ص 313؛ و رواها المجلسيّ في «بحارالأنوار» ج 6، ص 624 عن «تفسير القمّيّ»؛ و شرح المجلسيّ في ص 625 بعضاً من فقراتها تحت عنوان: بيان. منها أنّه قال: قال في «النهاية»: خير الامور عوازمها يعني فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها. و المعنى ذات عزمها التي فيها عزم. و قيل: هي ما وكّدت رأيك و عزمك عليه و وفيت بعهد الله فيه. و العزم الجدّ و الصبر. و قال فيه: إيّاكم و مُحَدثات الامور جمع محدثة بالفتح و هي ما لم يكن معروفاً كتاباً و لا سنّة و لا إجماعاً. و قال في «النهاية»: و في الحديث: و من الناس من لا يذكر الله إلّا مهاجراً يريد هجران القلب و ترك الإخلاص في الذكر فكان قلبه مهاجراً للسانه غير مواصل له. و منه الحديث: و لا يسمعون القرآن إلّا هجْراً، يريد الترك و الإعراض عنه. و الأمر إلى آخره، أي الأمر ينفع إذا انتهى إلى آخره أو الأمر ينسب في الخير و الشرّ و السعادة و الشقاوة إلى آخره. و على التقديرين الفقرة الثانية كالتفسير لها.
و جاء في روايات العامّة: شرّ الروايا روايا الكذب. و ذكر الواقديّ هذه الخطبة في «المغازيّ» ج 3، ص 1016 و 1017، و لكنّه قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم خطبها في تبوك. و أوردها ابن كثير في «البداية و النهاية» ج 5، ص 13 عن البيهقيّ، و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 161.
[4] ذكر المجلسيّ هذه الخطبة في «بحار الأنوار» ج 6، ص 512 ضمن الأخبار المتعلّقة بغزوة احد. و رواها نقلًا عن الواقديّ. كما أنّ الواقديّ أوردها في «المغازيّ» ج 1، ص 221 إلى 223.