كان إذا قام يصلّي، صلّى بفناء خيمته. فيقوم ناس من المسلمين فيحرسونه. فصلّى ليلة من تلك الليالى. فلمّا فرغ أقبل على من كان عنده، فقال: اعْطِيتُ خَمْسَاً مَا اعْطِيهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وإنَّمَا كَانَ النَّبِيّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ. وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدَاً وطَهُورَاً، أيْنَمَا أدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَيَمَّمْتُ وصَلَّيْتُ، وكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعْظِمُونَ ذَلِكَ، ولَا يُصَلُّونَ إلَّا في كَنَائِسِهِمْ والبِيَعِ. واحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ آكُلُهَا، وكَانَ مَنْ قَبْلِي يُحَرِّمُونَها. والخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ؟ هِيَ مَا هِيَ؟ هِيَ مَا هِيَ؟ ثَلَاثَاً.
قَالُوا: ومَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قِيلَ لي: سَلْ! فَكُلُّ نَبِيّ قَدْ سَألَ! فَهِيَ لَكُمْ ولِمَنْ شَهِدَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ[1].
إنّ ما كان في غزوة تبوك من المصاعب، والمشاكل، والجوع، والعطش، وعدم وجود الراحلة لجميع الجنود، مع بُعد الطريق، وشدّة الحرّ في الصيف، كلّ ذلك أضفى على هذه الغزوة طابعاً خاصّاً: وسمّي جيشها: جَيْشُ العُسْرَةِ[2]. واتُّخذ هذا الاسم من الآية الآتية: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ والْمُهاجِرِينَ والْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ[3].
ذكر الشيخ الطبرسيّ: نزلت في غزاة تبوك وما لحق المسلمين فيها من العسرة حتّى همّ قوم بالرجوع، ثمّ تداركهم لطف الله سبحانه. قال الحَسَن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثمّ ينزل فيركب صاحبه كذلك. وكان زادهم الشعير المُسَوَّس، والتمر المُدَوَّد، والإهَالَةَ السَّخِنَة[4].
وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التميرات بينهم. فإذا بلغ الجوع من أحدهم، أخذ التمرة فلاكها حتّى يجد طعمها، ثمّ يعطيها صاحبه، فيمصّها، ثمّ يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتّى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلّا النواة[5].و روي عن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال: أصبح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في طريقه إلى تبوك، ولا ماء مع عسكره. فشكوا ذلك إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو على غير ماء. قال عَبْدُ اللهِ بنُ أبي حَدْرَد: رأيت رسول الله استقبل القبلة فدعا، ولا والله ما أرى في السماء سحاباً. فما برح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يدعو حتّى أنّي لأنظر إلى السحاب تأتلف من كلّ ناحية. فما رام مقامه حتّى سحّت علينا السماء بالرواء. فكأنّي أسمع تكبير رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المطر. ثمّ كشف الله السماء عنّا من ساعتها، وإذ الأرض إلّا غُدُرٌ يصبّ بعضها في بعض.
فسُقي الناس وارتووا عن آخرهم؛ وسمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: أشْهَدُ إنِّي رَسُولُ اللهِ.
فقلت لرجل من المنافقين: وَيْحَكَ! أبَعْدَ هَذَا شَيءٌ؟ فَقَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ. وهو أوْسُ بْنُ قَيْظِيّ. ويقال: زَيْدِ بْنُ اللُّصَيْت[6].
يقول قَتَادَة ضمن حديث مفصّل عند الرجوع من تبوك أيضاً: كانت معي إداوَة فيها ماء ورَكْوَةٌ[7] لي أشرب فيها. وتوضّأ رسول الله من ماء الإداوة لصلاة الصبح، ففضل فضلة، فقال: احْتَفِظْ بِمَا في الإدَاوَةِ والرَّكْوَة فَإنَّ لَهَا شَأناً.
ثمّ صلّى بنا رسول الله صلاة الصبح، فقرأ سورة المائدة. ثمّ ركب فلحق الجيش عند زوال الشمس ونحن معه. وقد كادت تقطع أعناق الرجال والخيل عطشاً. فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرَّكوة، فأفرغ ما في الإداوة فيها. فوضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه. وأقبل الناس فاستقوا؛ وفاض الماء حتّى تَرَوّوا، وأروَوْا خيلهم وركابهم. وكان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، ويقال: خمسة عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفاً، والخيل عشرة آلاف. وذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لأبي قتادة: احْتَفِظْ بِمَا في الرَّكْوَةِ والإدَاوَةِ[8].
وروى ابن أبي سَبْرَة، عن موسى بن سعيد، عن عِرْباض بْنِ سَارِيَة قال: كنت ألزم باب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحضر والسفر. وقال بعد شرح مفصّل لمعجزاته:
كنّا حول قبّة رسول الله في ليلة من الليالى، وكان من عادة النبيّ أنّه يتهجّد في الليل، فقام تلك الليلة يصلّي. فلمّا طلع الفجر، ركع ركعتي الفجر، وأذّن بلال وأقام، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالناس. ثمّ انصرف إلى فِناء قبّته، فجلس وجلسنا حوله. وكنّا عشرة مع الفقراء الذين كانوا عنده.
فقال (رسول الله): هل لكم في الغَداء؟ قال عِرباض: فجعلت أقول في نفسي: أي غداء؟ فدعا بلالَ بالتمر، فوضع يده عليه في الصحفة، ثمّ قال: كُلُوا بِاسْمِ اللهِ. فأكلنا، والذي بعثه بالحقّ حتّى شبعنا، وإنّا لعشرة. ثمّ رفعوا أيديهم منها شبعاً، وإذا التمرات كما هي.
قال رسول الله: لَوْ لا أنِّي أسْتَحْيِي مِنْ رَبِّي لأكَلْنَا مِنْ هَذَا التَّمْرِ حتّى نَرِدَ المَدِينَةَ عَنْ آخِرِنَا.
وطلع غُلَيِّمٌ من أهل البلد، وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم التمرات بيده فدفعها إليه. فولّى الغلام يلوكُهنَّ.
فلمّا أجمع رسول الله المسير من تبوك، أرمل الناس إرمالًا شديداً. فشخص على ذلك الحال، حتّى جاء الناس إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يستأذنونه أن ينحروا ركابهم، فيأكلوها. فأذن لهم. فلقيهم عمر بن الخطّاب وهم على نحرها؛ فأمرهم أن يمسكوا عن نحرها، ثمّ دخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في خيمة له، فقال: أذنتَ للناس في نحر حَمولتهم يأكلونها؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: شَكَوا إلَيّ مَا بَلَغَ مِنْهُمُ الجُوعُ فَأذِنْتُ لَهُمْ، يَنْحَرُ الرُّفْقَةُ البَعِيرَ والبَعِيرَيْنِ ويَتَعَاقَبُونَ فِيمَا فَضَلَ مِنْ ظَهْرِهِمْ وهُمْ قَافِلُونَ إلى أهْلِيهِمْ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَا تَفْعَلْ! فَإنْ يَكُنْ للنَّاسِ فَضْلٌ مِنْ ظَهْرِهِمْ يَكُنْ خَيْرَاً؛ فَالظَّهْرُ اليوْمَ رِقَاقٌ[9].
ولكن ادع بفضل أزوادهم ثمّ اجمعها فادع الله فيها بالبركة كما فعلتَ في منصرفنا من الحديبيّة حيث أرملنا، فإنّ الله عزّ وجلّ يستجيب لك!
فنادى منادي رسول الله: من كان عنده فضل من زاد فليأت به. وأمر رسول الله بالأنطاع فَبُسِطت. فجعل الرجل يأتي بالمُدّ الدقيق، والسويق، والتمر. ويأتي الآخر بالقبضة من الدقيق، والسويق، والتمر، والكِسَر. فيوضع كلّ صنفٍ من ذلك على حِدَة. وكلّ ذلك قليل.
فكان جميع ما جاءوا به من الدقيق والسويق والتمر ثلاثة أفراق[10] حزراً. ثمّ قام النبيّ، فتوضّأ، وصلّى ركعتين، ثمّ دعا الله عزّ وجلّ أن يبارك فيه.
فكان أربعة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يحدّثون جميعاً حديثاً واحداً، حضروا ذلك وعاينوه: أبُو هُرَيْرَة، وأبُو حُمَيْد السَّاعِدِيّ، وأبُو زُرْعَة الجُهَنِيّ: مَعْبَد بْنُ خَالِد، وسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيّ. قالوا: ثمّ انصرف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ونادى مناديه: هَلُمّوا إلى الطعام، خذوا منه حاجتكم!
وأقبل الناس، فجعل كلّ من جاء بوعاء، ملأه. فقال بعضهم: لقد طرحتُ يومئذٍ كِسرة من خبز، وقبضة من تمر. ولقد رأيت الأنطاع تفيض؛ وجئت بجرابين فملأت إحداهما سَويقاً، والآخر خبزاً، وأخذت في ثوبي دقيقاً بمقدار ما يكفينا إلى المدينة. فجعل الناس يتزوّدون الزاد حتّى نهلوا عن آخرهم، حتّى كان آخر ذلك أن اخذت الأنطاع ونُثر ما عليها. فجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول وهو واقف: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ ألَّا اللهُ، وأنِّي عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وأشْهَدُ أنْ لَا يَقُولُهَا أحَدٌ مِنْ حَقِيقَةِ قَلْبِهِ ألَّا وَقَاهُ اللهُ حَرَّ النَّارِ[11].
على ضوء هذا الحديث، لنا مع عمر بحث كلاميّ. فنقول: عند ما جاء الناس، واستأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في نحر إبلهم بسبب ما أصابهم من الجوع. وهم أيضاً قالوا لك: أذن لنا رسول الله. فحينئذٍ كيف يحقّ له أن تنهاهم عن النحر؟ أليس أمرك هذا أمراً في مقابل أمر رسول الله؟ وهل يُبقي هذا الأمر قيمة لأمر رسول الله؟ وهل يفوق هذا الأمر المنبعث عن تفكيرك الذاتي بمصلحة الأمر على المصلحة التي أصدر رسول الله أمره على أساسها؟
وثانياً: ثمّ تأتي إلى رسول الله في خيمته وتقول له: لا تَفْعَلْ! وهذا الكلام يحمل طابع الأمر، وقد جاء بعد الأمر الذي أصدره رسول الله، وبعد أن انشغل الناس بنحر إبلهم[12].
وثالثاً: إنّ السبب الذي ذكرته في عدم النحر هو أنّ الإبل ضعيفة، وإنّ المسلمين لا يحصلون على نصيب وافر من لحمها، وينبغي الصبر حتّى تسمن، ويفاد من لحمها فائدة كبيرة.
وهذا سبب عجيب جدّاً، لأنّ قيمة كلّ شيء تظهر عند الحاجة إليه. ولأنّ قيمة منّ من لحم الإبل عند المجاعة تفوق قيمة ثلاثمائة كيلو غرام منه عند الرخاء والسرّاء. وما هو المانع من نحر كلّ قافلة بعيراً أو بعيرين، فيشبع الجميع، ويزول الجوع.
ورابعاً: إذا كنت تعرف النبيّ باستجابة الدعاء، ورأيت البركة في طلبه، كما ذكرت مصداق ذلك في غزوة الحديبيّة، فإنّ النبيّ نفسه هو الذي أمر بالنحر، وأمره في هؤلاء الناس أنفسهم. وهو الذي دعا وطلب من الله أن يعوّض الناس عن إبلهم المنحورة أضعافاً مضاعفة. وإنّ الطريق الذي يعطي الله فيه لا يقتصر على نفض الناس ما فضل من متاعهم في الأنطاع، ودعاء رسول الله بالبركة فيه. إنّ الله يبارك من أي طريق شاء. وما من طريق خاصّ لفعله تعالى بحيث لو سدّ، فلا طريق غيره. فهذا تفكير خاطئ. ألم تقرأ هذه الآية الكريمة الشريفة: ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً[13].
«كلّ من اتّقى الله (و صان نفسه من الذنوب والأعمال غير المرضيّة) فإنّ الله يجعل له مخرجاً (من المشاكل والمصائب والحوادث والفتن والبلايا والمعاصي وشرّ الشيطان الرجيم) (بحيث إنّه لا يصطدم بكلّ عقبة، والطريق ثابت له في المقصد والمراد الذي يتقدّم من أجله، وله مهرب من الشرور والآفات) ويرزقه من حيث لا يحتسب. ومن يتوكّل على الله، فالله كافيه، ويبلغه أمره وتقديره (و نفوذه وقدرته مع كلّ شيء يتعلّق به أمره من أجل تحقّقه) وقد جعل الله لكلّ شيء قدراً.
ويستبين لنا من هذه الآيات أنّ الله ليس له طريق محدّد لإيصال الرزق وسائر الشؤون الجسميّة والروحيّة، والملكيّة والملكوتيّة، والظاهريّة والباطنيّة، بل له طرق عديدة لا نهاية لها لإنفاذ أمره ومراده. بل هو نفسه يوجد الطريق. ولذلك على المؤمن الملتزم أن يتوكّل عليه، ويعتقده وكيلًا وكفيلًا له في كافّة شئونه، ويفوّض إليه لا إلى غيره. وحينئذٍ لا يكفيه الله أمره فحسب، بل هو ذاته له، وهو كافيه.
ونحن نعلم أنّ طلب المعجزة من النبيّ دائماً، وإجباره على إحداث امور خارقة عمل غير صحيح. وينبغي أن يكون طلب النبيّ ودعاؤه، لتحقيق امور غير عاديّة عند الضرورة وفي الظروف الاستثنائيّة. وإذا أراد نبيّ ما من الله يرزقه رزقاً وافراً كثيراً باستمرار، من طرق غير عاديّة وغير طبيعيّة، فهذا مخالف للأدب حتّى لو رزقه الله ذلك.
فلهذا رأينا رسول الله قال في رواية عِرباض: لَوْ لا أنِّي أسْتَحْيي مِنْ رَبِّي لأكَلْنَا مِنْ هَذَا التَّمْرِ حتّى نَرِدَ المَدِينَةَ عَنْ آخِرِنَا.
وخامساً: لا نقرأ في هذه الرواية جملة صدّق فيها رسول الله عمر، أو أجابه على الأقلّ. وما نقرأه فحسب أنّ منادي رسول الله نادى ... ولعلّ هذا المنادي كان من أعوانه، ولم يرد تضييع أمر عمر في عدم نحر الإبل، حتّى لو ضاع أمر النبيّ. فلهذا جعل النبيّ أمام أمر واقع، إذ بُسطتِ الأنطاع، ونُفِضَ الفضل من المتاع، وقُسر النبيّ على الدعاء. صلّى الله عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!
ولعلّ لسوء أدب عمر ما ورد في «السيرة الحلبيّة»[14] عن «صحيح مسلم»، وفي «البداية والنهاية» عن البيهقيّ، عن أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح أو عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخُدريّ، إذ نقلوا هذه الرواية ولم يذكروا فيها نهي عمر الناسَ عن نحر الإبل. كما حذفوا نهيَ عمر رسولَ الله، وأوردوا هذه العبارة مكانه: إنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ.
[1] «المغازي» ج 3، ص 1021 و 1022. و أخرج السيوطيّ ذيل هذا الحديث في «الجامع الصغير» ص 46 و 47 كالآتي: روى البخاريّ، و مسلم، و النسائيّ، عن جابر صحيحاً، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: اعطيت خمساً لم يُعْطَهنَّ أحَدٌ مِنَ الأنبياء قبلي: نُصِرت بالرعب مسيرة شهر، و جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً، فأيّما رجل من امّتي أدركته الصلاة فليصلّ، و احِلَّت لي الغنائم، و لم تُحَلّ لأحدٍ قبلي، و اعْطِيتُ الشفاعة، و كان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، و بُعثتُ إلى الناس كافَّةً. و يبدو أنّ هذا الحديث من حيث مفاد متنه أصحّ من الحديث المذكور سلفاً. لأنّ الأشياء الخمسة فيه محدّدة و معلومة. و أحدها: قوله: نصرتُ بالرعب. أي: أنّ أحد أسباب نصري و ظفري هو إلقاء الله الرعب و الخوف في قلوب أعدائنا. و لم ترد هذه الفقرة في رواية الواقديّ المشار إليها في «المغازي». و أمّا الشفاعة في هذا الحديث فهي الشيء الخامس الوارد في «المغازي»، إذ يقول رسول الله: فهي لكم و لمن شهد أن لا إله إلّا الله.
[2] قال في «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 147: و يقال لها: غزوة العَسِيرَة. و يقال لها: الفَاضِحَة، لأنّها أظهرت حال كثير من المنافقين.
[3] الآية 117، من السورة 9: التوبة.
[4] المسوّس هو الذي وقع فيه السوس. و السوس دود يقع في الطعام و الصوف. و الإهالة بكسر الهمزة الشحم أو الشحم المقليّ. و السَّخَنَة بفتح السين و النون أي: المتغيّر الفاسد.
[5] «مجمع البيان» ج 3، ص 79؛ و ذكره المجلسيّ أيضاً في «بحار الأنوار» ج 6، ص 622، طبعة الكمبانيّ، عن تفسير «مجمع البيان»؛ و تفسير «الميزان» ج 9، ص 431 عن «مجمع البيان»؛ و «حبيب السير» ج 1، ص 399.
[6] «المغازي» ج 3، ص 1009؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 279؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 949؛ و كتاب «حياة محمّد» ص 429.
[7] الإداوة إناء هرميّ الشكل من جلد يحفظ فيه الماء. و الركوة إناء من جلد يشرب فيه الماء.
[8] «المغازي» ج 3، ص 1040 و 1041؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 629 عن «الخرائج و الجرائح» للراونديّ.
[9] و قال عمر مثلها لرسول الله أيضاً عند ما أشخص أبا هريرة ليبشّر المؤمنين الحقيقيّين بالجنّة. و ذكرها العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 6، ص 175 و 176 عن «سيرة عمر» لابن الجوزيّ، ص 38، و «شرح ابن أبي الحديد» ج 3، ص 108 و 116، و «فتح الباري» ج 1، ص 184، في سياق قضيّة من القضايا فقال: قال رسول الله: يا أبا هريرة! اذهب بنعليّ هاتين. فمن لقيته وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة! (قال أبو هريرة): فخرجت فكان أوّل من لقيت عمر، فقال: ما هذان النعلان؟ قلت: نعلا رسول الله بعثني بهما و قال: مَن لَقِيتَهُ يَشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مُسْتَيقِنَاً بِهَا قَلْبهُ، بَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ. فضرب عمر في صدري فخررتُ لإستي، و قال: ارجع إلى رسول الله! فأجهشت بالبكاء راجعاً. فقال رسول الله: ما بالك؟ قلتُ: لقيتُ عمر فأخبرته بما بعثتني به، فضرب صدري ضربة خررتُ لإستي، و قال: ارجع إلى رسول الله! فخرج رسول الله فإذا عمر فقال: ما حملك يا عمر على ما فعلتَ؟ فقال عمر: أنتَ بَعَثْتَ أبَا هُرَيْرَة بِكَذَا؟ قال النبيّ: نعم! قال: فَلَا تَفْعَلْ فَإنِّي أخْشَى أنَ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا فَيَتْرُكُوا العَمَلَ، خَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. فقال رسول الله: فَخَلِّهِم.
[10] قال في «القاموس المحيط» ج 3، ص 283 و 284، طبعة بيروت: «الفرق بفتح الفاء جمعها أفراق، و هو مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع أو ستّة عشر رطلًا» انتهى. وعبارة ستّة عشر رطلًا هي تعبير آخر لعبارة: ثلاثة آصع، لأنّ كلّ صاع أربعة أمداد.
[11] «المغازي» ج 3، ص 1036 إلى 1039؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 629 عن «الخرائج و الجرائح» للراونديّ.
[12] العجيب هنا أنّ العامّة ترى أنّ هذا الحديث و أمثاله من فضائل عمر، و تقول: كان ذا رأي و هيبة و سداد إذ عمل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بقوله. و هذا خطأ كبير يتمثّل في أنّهم لم يفهموا حقيقة معنى و مفهوم النبوّة و العصمة. و أنّهم خالوا مماشاته و مداراته في مثل هذه الامور، و خفض جناحه صلّى الله عليه و آله و سلّم، و صبره أمام تعنّتهم و تحكّمهم رغم إصرارهم على مخالفة رأيه، ممّا يدلّ على عظمته الروحيّة و أخلاقه الرحبة و حلمه و صفحه و خلقه العظيم الذي أثنى عليه الله تعالى إذ قال: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، خالوا ذلك كلّه دليلًا على صحّة عمل المنتهكين. و ثمّة حديث آخر، كهذا الحديث، رواه محبّ الدين الطبريّ في كتاب «الرياض النضرة» في كتاب فضائل عمر، ج 2، ص 83 و 84. قال: روى أبو هريرة فقال: «أتيت النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم فأعطاني نعليه و قال: إذهب بنعليّ هاتين، فمن لقيته وراء هذا الحائط يشهد أن لا اله إلّا الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة. (قال أبو هريرة) فكان أوّل من لقيته عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بعثني بهما (و قال): من لقيته يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقناً بها قلبه بشّره بالجنّة! فضرب (عمر) بيده بين ثديي فخررتُ (منها) لإستي فقال لي: ارجع يا أبا هريرة! فرجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فأجهشت بالبكاء و ركبني عمر فإذا هو على أثري. فقلت (لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم) لقيت عمر فأخبرته؛ بالذي بعثني به. فضرب بين صدري ضربة خررت لإستي و قال: ارجع إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. (فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم لعمر): ما حملك يا عمر على ما فعلت؟ فقال: يا رسول الله! أ بعثت أبا هريرة بنعليك (و قلت له): من لقي يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقناً بها قلبه بشّرته بالجنّة؟! قال (النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم): نعم. قال (عمر): لَا تَفْعَلْ فَإنِّي أخَافُ أنْ يَتَّكِلْ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهُمْ مَا يَعْمَلُونَ. فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: فخلّهم.» و أخرجه أحمد و مسلم. ثمّ قال محبّ الدين الطبريّ صاحب الكتاب: تقرير النبيّ عمله دليل على صحّة رأيه و اجتهاده- انتهى. أوّلًا: ينبغي أن نعدّ هذه الرواية على فرض صحّتها من مثالب عمر. و عدّها العامّة من مناقبه. ثانياً: لا دلالة فيها على صحّة رأي عمر و اجتهاده أبداً. و الأمر كما ذكرناه.
[13] الآيتان 2 و 3، من السورة 65: الطلاق.
[14] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 159؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 9 و 10 ... قال: لمّا كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعةٌ. فقالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا و ادّهنّا! فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: افعلوا. فجاء عمر، فقال: يا رسول الله! إن فعلت، قلّ الظهر، و لكن ادعهم بفضل أزوادهم و ادع الله فيها بالبركة لعلّ الله أن يجعل فيها البركة- الحديث.