إن كلّ من شهد الشهادتين فهو مسلم، ويحرم دمه وماله وعرضه. وعلى الحكومة الإسلاميّة أن تحترمه، وتتعامل معه في جميع الامور كإنسان مسلم.
إن الآية ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ[1] تخصّ المشركين لا المنافقين الذين لم يثبت كفرهم وشركهم عند الحاكم الإسلاميّ. فهذه الشريحة من المنافقين مسلمون.
ورأينا أخيراً أنّ اسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ عند ما طلب من النبيّ قتل منافقي العقبة الذين أرادوا الفتك به، قال له رسول الله: أ لم يقرّوا بالتوحيد ويشهدوا بنبوّتي؟! قال: نعم! قال: نهاني الله عن قتل هؤلاء.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يتعامل مع عبد الله بن أبي وسائر المنافقين كمسلمين وإن كانوا من أخبث الأشخاص. فكان يأخذ الزكاة من أغنيائهم؛ ويدفع الزكاة لفقرائهم. ويطبّق عليهم كافّة الأحكام الإسلاميّة الحربيّة والسلميّة كالمسائل المتعلّقة بالحرب وتقسيم الغنائم.
واستمرّ هذا العمل حتّى غزوة بني المصطلق، إذ خرج عبد الله بن أبي مع رسول الله من المدينة في السنة الخامسة من الهجرة، وقال لأصحابه ما قال سرّاً من غير أن يحضر أحد من أصحاب رسول الله، وأساء الأدب إلى رسول الله بكلماته البذيئة المشينة المذكورة في سورة (المنافقون). ولم يُخبر رسول الله بخبره إلّا زيد بن أرقم الذي كان صغيراً بين الخزرج الذين كان عبد الله من وجهائهم وأشرافهم. وأنكر عبد الله ذلك بتمام معنى الكلمة، وحلف إنّه لم يقل، وإنّ زيداً يكذب، حتّى نزلت تلك الآيات المذكورة في سورة (المنافقون). ومنها قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. أي: يا أيّها النبيّ لا تشقّ على نفسك كثيراً من أجل المنافقين، ولا تطلب لهم الخير ولا تستغفر لهم! إنّهم كذا وكذا، وتذهب أتعابك، ومعاناتك من أجلهم، وعشقك الفيّاض لهدايتهم أدراج الرياح. فقد ران الشقاء على قلوبهم، وليس فيها نافذة أمل، وقد أوصدوا طريق الهداية بوجوههم نتيجة لسوء اختيارهم، ولا تشملهم مغفرة الله.
ولا نقرأ أيضاً في سورة (المنافقون) حكماً بكفر عبد الله بن أبي. فالعبارات الواردة هي من قبيل: إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.
فالله يذكر هؤلاء. ومن المعلوم أنّه لا يُحْكَمُ بكفر أحد من خلال هذه العبارات، فيجعل في زمرة المشركين ويخلّد في النار من حيث الحكم الظاهر للإسلام.
[1] الآية 113، من السورة 9: التوبة.