2-3-1-1 مشكلات قياس المدخلات (Inputs)
تتمثل مدخلات العملية الإنتاجية بعنصر العمل (خدمات عوامل الإنتاج البشرية) وعنصر رأس المال (خدمات عوامل الإنتاج غير البشرية) وعندما يرغب أي باحث في قياس الإنتاجية الكلية يواجه مشكلة تعدد المدخلات وصعوبة توحيدها بوحدة قياس معينة فضلاً عن المشكلات الإحصائية المتعلقة بكثرة البيانات الإحصائية المطلوبة، لذلك يلجأ معظم الباحثين إلى اعتماد معايير الإنتاجية الجزئية والتي هي الأخرى تواجه بعض المشكلات المتعلقة بتحديد المدخلات (الجزئية) وقياسها.
أولاً: مشكلات قياس العمل (1)
من خلال تعريف العمل تظهر الصعوبة في قياس المجهودات الذهنية (أي عدم إمكانية القياس العملي لكمية العمل المستخدمة)، لذا يلجأ الباحثون إلى التعبير عن كمية العمل المستخدمة من خلال الزمن الذي تستغرقه تلك المجهودات (زمن العمل) أو عدد العاملين كمقياس للعمل أو الأجور المدفوعة (تعويضات المشتغلين).
ومن أبرز المشكلات التي تواجه الباحثين عند قياس العمل هي (2):
1. مشكلة تعدد فئات العمل:
تبرز هذه المشكلة عند قياس إنتاجية العمل على المستويين الكلي والجزئي، فعلى مستوى الاقتصاد ككل يمكن اعتماد عدد السكان الكلي أو عدد الأفراد القادرين على العمل أو عدد الأفراد العاملين فعلاً، أما على مستوى القطاع الواحد فيمكن اعتماد عدد العاملين الكلي في القطاع أو عدد العاملين فعلاً في الإنتاج (3).
وعلى المستوى الجزئي تبرز مشكلة تعدد فئات قوة العمل حسب دور كل منها في العملية الإنتاجية فهناك (العمال الذين يرتبط عملهم مباشرة بالعملية الإنتاجية - العمال المباشرون -)، (والعمال الذين لا يرتبط عملهم بشكل مباشر في العملية الإنتاجية – العمال غير المباشرين -) فضلاً عن العاملين في المستويات الإدارية المختلفة، وعليه تظهر هذه المشكلة - على المستوى الجزئي - في وجهين، يتمثل الوجه الأول في تعدد التعاريف الواردة بشأن الفئات المختلفة للعمل (أي اختلاف الآراء بشأن ما يمكن عده عملاً مباشراً أو غير مباشر) وذلك عندما تتم عملية المقارنة الدولية حيث لم يتم الاتفاق على مفاهيم موحدة لفئات العمل المختلفة إذ يستخدم في بعض الدول اصطلاح (عمال الإنتاج) للدلالة على العمال المباشرين باستثناء عمال الصيانة. بينما في دول أخرى يجري التصنيف على أساس دفع الأجور (العمال بأجر) أو (العمال المستخدمين بمرتبات) (4) أما الوجه الثاني للمشكلة يتمثل في اختيار أي من هذه الفئات عند القياس.
من المسلّم به إن الإنتاج هو حصيلة جهود جميع فئات القوى العاملة المشاركة في العملية الإنتاجية سواء كانوا عمالاً مباشرين أو غير مباشرين، لذا فإن اعتماد العمال المباشرين فقط في قياس إنتاجية العمل يعد مأخذاً على هذا القياس وذلك لوجود عمال آخرين ساهموا وشاركوا في خلق الإنتاج فضلاً عن تطور المستوى التقني والذي يعني استخدام عدد اقل من العمال المباشرين نسبة إلى العمال غير المباشرين مما ينعكس في ارتفاعات وهمية في مستويات إنتاجية العمال للعمال المباشرين مقارنة بالعمال غير المباشرين، وهذا ما يقود إلى عدم جدوى المقارنات الزمنية ضمن الوحدة الإنتاجية وكذلك عدم جدوى المقارنات بين الوحدات الإنتاجية التي تتفاوت (تتباين) في المستويات التقنية المستخدمة في العملية الإنتاجية، لذا كان اتجاه البلدان المتقدمة صناعياً نحو استخدام عدد العاملين الكلي عند قياس إنتاجية العمل (5).
(2) مشكلة عدم تجانس قوة العمل:
تتمثل هذه المشكلة في كيفية جمع وحدات العمل (ساعات العمل أو عدد العاملين) إذ أن وحدة العمل ليس مفهوماً متجانساً نظراً لاختلاف مهارة
العاملين وأعمارهم وأجناسهم فضلا عن درجة استعدادهم وامتثالهم للعمل (6).
ولمعالجة هذه المشكلة يلجأ البعض إلى استخدام معاملات الترجيح في مواجهتها، وهناك طريقتان للترجيح هي:
أ. على أساس الأجور المدفوعة.
ب. على أساس متوسط المهارة.
عند النظر إلى الجانب الهندسي أو الفني أو الإداري فإن استخدام معاملات الترجيح قد يكون ذا مغزى، لكن في الجانب الاقتصادي يبدو من المفيد التعرف على مدى تأثير هيكل (بنية) العاملين على مستويات إنتاجية العمل ومن ثم كيف يمكن أن نعيد رسم هذا الهيكل بالشكل الذي يؤدي إلى رفع إنتاجية العمل (7).
وعليه فإن الأساس الأول (ترجيح ساعات العمل على أساس الأجور المدفوعة) يمكن أن يعطينا صورة متجانسة عن قوة العمل بافتراض أن نظام الأجور (تحديد الأجور) يستند فقط على مستويات مهارات العاملين وطبيعة اعمالهم إلا أن تأثر نظام الأجور بمدة الخدمة التي قد تؤدي إلى زيادة أجر العامل على الرغم من عدم حصول تغير في مهارته يجعل اتباع هذه الطريقة غير مجد، أما الأساس الثاني (ترجيح) ساعات العمل على اساس متوسط المهارة يكتنفه الكثير من الصعوبات المتعلقة بتصنيف العاملين حسب مهاراتهم واختلاف المعايير التي يتم على أساسها هذا التصنيف.
(3) مشكلة اختيار الوحدات الزمنية لقياس العمل:
تتعدد الوحدات الزمنية لقياس العمل وهي: عامل/ ساعة، عامل/ يوم، عامل / شهر عامل / سنة ، لكن تكمن المشكلة في اختيار أي من هذه الوحدات في قياس العمل نظراً لاختلاف مضامينها، فالمقياس الأول (عامل/ ساعة) يعني ساعات العمل الفعلية المبذولة من قبل العامل، أما المقياس الثاني (عامل / يوم) فإنه يمثل حضور العامل إلى مكان العمل بغض النظر عن ساعات العمل الفعلية، أما المقياس الثالث والرابع (عامل / شهر، عامل / سنة) فإنهما يمثلان عند العمال الذين تظهر أسماءهم في قوائم الأجور الشهرية والسنوية على التوالي مما لا يعكس حضور العامل إلى مكان العمل فقد يكون متمتعاً بإجازة مرضية أو دراسية أو غير ذلك (8). وذلك لسهولة جمع البيانات التفصيلية عن حركة العمال على مستوى المنشأة فضلاً عن دقتها.
وبناء على ما تقدم فإن عملية المفاضلة بين استخدام أي من هذه المقاييس تعتمد على الهدف من البحث ومدى توافر البيانات الإحصائية وبشكل عام يمكن اعتبار مقياس (عامل / ساعة) أكثر ملاءمة لقياس إنتاجية العمل إلا أن المشكلة المتعلقة بكثرة البيانات الإحصائية ومدى دقتها تدفع الباحثين إلى استخدام المقاييس الأخرى ولاسيما عند قياس الإنتاجية لفترات طويلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعرف العمل بأنه (تلك المجهودات عضلية كانت أم ذهنية التي يبذلها الإنسان لخلق المنافع أو ريادتها) ينظر في ذلك: إسماعيل محمد هاشم، مبادئ الاقتصاد الكلي (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة) 1977، ص 377.
(2) مصطفى كامل السيد دراسة بعض مشاكل قياس الإنتاجية، منظمة التنمية الصناعية للدول العربية، صندوق التنمية الصناعية العدد 4، القاهرة 1970، ص:47-46
(3) وجيه عبد الرسول العلي، مصدر سابق، ص 44.
(4) عبد العزيز هيكل، مصدر سابق، ص 42.
(5) أوصى مؤتمر الإحصائيين المنعقد في مدينة جنيف عام 1974 باستخدام عدد العاملين الكلي، ينظر في ذلك: وجيه عبد الرسول العلي، مصدر سابق، ص 45.
ويرى الدارس (كاتب الرسالة) إن استخدام أي من هذه الفئات أو مجموعها يعتمد على الأهداف المتوخاة من البحث ومجاله فضلاً عن مدى توفير البيانات الإحصائية المطلوبة.
(6) كمثال على ذلك وفي دراسة للاقتصادي L) Rostas) وجد أن أسباب انخفاض إنتاجية العمل في الصناعات الإنجليزية مقارنة بنظيرتها في الصناعات الأمريكية يعود إلى ارتفاع نسبة الإناث إلى مجموع القوى العاملة في الصناعات الإنجليزية عما هي عليه في الصناعات الأمريكية، ينظر: عبد الهادي جبار جياد العبودي، مصدر سابق، ص 23.
(7) عبد الهادي جبار جياد العبودي، مصدر سابق، ص 24.
(8) نادر أحمد أبو شيخه، الكفاية الإنتاجية ووسائل تحسينها في المؤسسات العامة (الأردن، مطبعة الدستور التجارية)، 1982، ص51.