هاتان الآيتان كلتاهما في سورة التوبة (الاولى هي الآية 84، والثانية هي الآية 80) ونزلت هذه السورة في غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة. واستغرقت ثلاثة أشهر من السنة المذكورة اعتباراً من رجب إلى شهر رمضان؛ وتوفّي عبد الله بن أبي في ذي العقدة من السنة المشار إليها. ومن الثابت أنّ القرائن والشواهد المتحصّلة تفيد أنّ هاتين الآيتين نزلتا بعد موت ابن أبي.
ومعنى قولهم: إنّ سورة التوبة نزلت في غزوة تبوك، هو أنّها نزلت في تلك الأيّام والشهور التي سبقتها وتلتها، لا أنّ آياتها كلّها نزلت في تلك السفرة؛ إذ إنّ من الواضح أنّ الآيات التي تعبّئ الناس وتحثّهم على السفر، لا بدّ أن تنزل قبل السفر، كالآية الكريمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (الآية 338)، والآية الكريمة: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ (الآية 39)، والآية الكريمة: انْفِرُوا خِفافاً وثِقالًا وجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (الآية 41).
ومن الواضح أيضاً أنّ الآيات الواقعة في أوائل السورة كانت بعد سفر تبوك. كالآيات الكريمة الآتية: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ، وأَذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ إلى الآية 37: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
إن جميع هذه الآيات النازلة في سياق واحد، نزلت في ذي القعدة من هذه السنة، وهي تخاطب المشركين في مكّة ومناطقها. وقد بعث رسول الله في بادئ الأمر أبا بكر لقراءتها على المشركين في موسم الحجّ بمكّة. ثمّ عزله بأمر الله واختار أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين للقيام بهذه المهمّة. فأخذها الإمام عليه السلام من أبي بكر وتوجّه إلى مكّة وقرأها على المشركين في موسم الحجّ بمنى.
أجل، يتحصّل ممّا ذكرنا ما يأتي: أوّلًا: كان استغفار رسول الله وصلاته آنذاك قبل نزول هاتين الآيتين اللتين حكمتا بكفر المنافقين. وكان على رسول الله يومئذٍ أن يصلّي على كلّ مسلم ظاهر الإسلام ويستغفر له، وفقاً للحكم العامّ.
ثانياً: كان عمله صلّى الله عليه وآله غير مخالف للقرآن، ذلك أنّ النهي عن الصلاة، والوقوف على القبر، ولغويّة الاستغفار لكفرهم، كلّ اولئك كان بعد وفاة ابن أبي، وصلاة رسول الله عليه، وقيامه على قبره، واستغفاره له.
ثالثاً: كان اعتراض عمر على النبيّ ومنعه من الصلاة خطاً محضاً وخبطاً صرفاً؛ إذ لم ينزل حكم بعدم الصلاة بعدُ. وأنّ ما نراه في بعض روايات العامّة أنّ عمر قال للنبيّ: أ لم ينهك الله عن الصلاة على المنافقين؟ كلام موضوع، مضافاً إلى أنّه يغاير ما ورد في بعض الروايات التي نقلوها، ومنها هذه الرواية التي تذكر أنّ رسول الله لم يبتعد كثيراً عن المدينة بعدُ، حتّى نزلت هذه الآية: ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً.
بأيّ إذن شرعيّ أو مسوّغ عقليّ يقف عمر بوجه رسول الله ويحول دون تحقيق ما يريد؟ وكيف يتجرّأ فيجرّ ثوب رسول الله ويمنعه على مرأى ومسمع آلاف المجتمعين من كبار الأنصار من طائفة الأوس والخزرج في وقت قد تقدّم فيه رسول الله ووقف على الجنازة من أجل الصلاة؟ وبعد أن قال له رسول الله: أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ! لم يعتنِ، وقال: فعل ابن أبي في اليوم الفلانيّ كذا وكذا، فلا تُصلّ عليه! ولو أراد رسول الله العمل بهذه الأقوال، فإنّ أوّل من يستحقّ المحاكمة هو عمر لما صدر منه أمام الملأ المجتمعين، إذ تقدّم أمام رسول الله، ومنعه من الصلاة.
هل أنت نبيّ يا عمر؟ أو أنت جبرائيل؟ هل أنت الآمر يا عمر، ورسول الله المأمور؟! يضاف إلى ذلك كلّه، هل حُمّلت يا عمر إصر عبد الله بن أبي، وتخاف أن لو غُفر له، فإنّ آصاره تقع عليك؟ وهل يُخطئ رسول الله وهو صاحب المقامات والدرجات العظيمة، وأنت لا تُخطئ وتزعم أنّك تفهم؟ وهل كان أمره خلطاً وخبطاً، وأمرك صحيحاً صائباً مستقيماً؟ فلهذا نرى في بعض روايات العامّة أنّه يعترف بتقصيره، ويعدّ عمله هذا هفوة. ونقرأ في بعضها الآخر أنّه يعجب من جرأته على رسول الله، وكأنّه يقول: كيف تجرّأتُ ووقفتُ أمام رسول الله، ومنعته، وجذبت ثوبه؟! وهنا تسجّل مدرسة الشيعة مؤاخذتها على هذه الأعمال بجدّ وصراحة. وترى أنّ هذا الشخص المنتهك غير خليق بالخلافة. وتعتقد أنّه عادٍ، متجاوز، غاصب، وذلك لانتهاكاته الكثيرة، كهذا الانتهاك، وانتهاكه الآخر وهو أشدّ وأنكى إذ تفوّه بكلمته الشهيرة، ورسول الله يحتضر، فقال: «إنّ الرجل ليهجر!» وانتهاكه الثالث بعد وفاة النبيّ الأعظم، إذ أخذ أمير المؤمنين إلى المسجد، وهو شاهر سيفه ليرغمه على البيعة والتسليم لأفكاره وآرائه، وأفكار أعوانه وآرائهم. وتذهب المدرسة المذكورة إلى أنّ الخلافة والإمامة حقّ الإمام المعصوم والنائب الحقيقيّ لرسول الله.