قال الله الحكيم في كتابه الكريم: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وأَلْقَى الْأَلْواحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأَخِي وأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[1].
تدور هذه الآيات حول تخلّف قوم موسى عن دين التوحيد عند غيبته لمناجاة الله تعالى والتكلّم معه جبل الطور خلال أربعين ليلة؛ فعبدوا العجل بدعوة السامريّ. وكثر أتباع هذا الأخير، فلم يستطع هارون أن يصدّهم عن شركهم، إلى درجة أنّهم كادوا يقتلونه. ولمّا عاد موسى من الطور، ورأى قومه يعبدون العجل، وغضب على أخيه إذ لم يتّبع طريقه، ولم يردع قومه عن ذلك العمل القبيح، ولم يصلح شئونهم، وعرض هارون عذره، ورأى موسى مشروعيّة عذره، أشفق على أخيه، وطلب من الله أن يغفر له ولأخيه ويرحمهما.
ووردت الآيات التي تتحدّث عن موسى وبني إسرائيل في كثير من سور القرآن، خاصّة من سورة البقرة، والأعراف، وطه، والقصص. وذُكر اسم موسى عليه السلام في القرآن كثيراً، كما جرى الحديث فيه عن قصصه وقصص قومه بحيث لم يتحدّث القرآن بهذا الحجم عن الأنبياء الآخرين بما فيهم إبراهيم عليه السلام الذي له مقام أرفع في توحيد ذات الحقّ، وكان أفضل الأنبياء وأشرفهم جميعاً، ما عدا الرسول الأكرم خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليه وآله وعليهم أجمعين.
ويعود السبب في ذلك إلى أنّ القرآن ليس كتاباً قصصيّاً يسرد لنا حكايات عن الأنبياء وأقوامهم باسلوب قصصيّ من أجل الاطّلاع على أحوالهم فحسب. بل هو كتاب حكمة وموعظة وبيان لفضائل الإنسان وكمالاته، لكي يتّبعه الناس، ويحظوا بالسعادة المطلقة؛ وكذلك يتحدّث عن قبائح الأعمال والأخلاق والعقائد والسنن والآداب حتّى يبتعد الناس عنها.
ولمّا كانت النفوس البشريّة متماثلة في جبلّتها، واسلوب طيّها طريق التكامل، أو السقوط في حضيض الهوى. وكان بنو إسرائيل أكثر الطوائف والامم مِراءً مع أنبيائهم، وكانوا يطرحون مؤاخذاتهم الواهية المنبعثة عن تثاقلهم وتساهلهم وتكاسلهم وميوعتهم في الشؤون الحياتيّة العظيمة، وكانوا يركنون إلى المال والكنوز الفانية وزخارف الدنيا، ويهتمّون بمصالحهم الذاتيّة وامورهم الاعتباريّة، ولم يتركوا أهواءَهم على الرغم ممّا قام به موسى وأخوه هارون من الدلالة على طريق الهداية التامّة الكاملة، فلهذا تكلّم عنهم القرآن أكثر من غيرهم؛ لكي تتّعظ نفوس جميع الذين يأتون بعد نزول القرآن إلى يوم القيامة، ويعرفوا طريقهم جيّداً، اولئك الذين هم كبني إسرائيل من حيث النفسانيّات والمهلكات والمنجيات وتطوّر الأحوال وتشتّت الخواطر، وظهور الآراء والمقاصد المستجدّة، والعقائد والأخلاق الجديدة؛ فيعتبروا بقراءة هذه الآيات وتطبيقها على أنفسهم، وأعمالهم وأخلاقهم وتعاملهم مع نبيّهم وأئمّة الدين وولاة الشرع المبين. وحتّى لا تزلّ أقدامهم كالسابقين، ولا يكونوا كتلك الطائفة البائسة المنقلبة من بني إسرائيل في المؤاخذات، وضروب التثبيط والتكاسل، والقيام بالشؤون الحياتيّة، وعدم اتّباع أولياء الدين والأئمّة الميامين المنصوبين من قبل سيّد المرسلين، وعدم طاعتهم طاعة محضة. ولكي يفهموا أنّ النفوس واحدة، وأنّ اسما المسلم واليهوديّ ليسا أكثر من اسمين فحسب. وفي ميزان الحقائق يوم القيامة يجري الامتحان والاختبار على ميزان الحقيقة والصلاح والتقوى والإيمان والولاية، لا على الاسم. ولو كان هؤلاء كاولئك في خَور النفس، واعوجاج الطريق، وعدم الانقياد الصرف، والمماراة في الامور، فلا فرق بينهم وبين تلك الطائفة من بني إسرائيل وستكون عاقبتهم واحدة.
ومن هنا أمر الله الناس في هذا الكتاب السماويّ: القرآن الكريم أن يتلوه في أطراف نهارهم وآناء ليلهم، كي يطّلعوا على الخصائص النفسيّة، لموسى وهارون عليهما السلام، وعزمهما الراسخ، وصبرهما واستقامتهما إذ أودع الله في نفس كلّ ذي نفس أمثلة ونماذج من ذلك. وكذلك ليتعرّفوا على مواصفات اولئك القوم وسلبيّاتهم غير المؤثّرة، فلا يؤثِروا الهوى الإسرائيليّ على نور التوحيد والإيمان الراسخ والصبر والاستقامة الموسويّة والهارونيّة. وليتّقد نور التوحيد في قرارة نفوسهم فيقشع غمائم الظلام.
وبناءً على هذا، مثل من يتلو القرآن ويطّلع على أحوال اولئك القوم وآثارهم، ويتعرّف على أسباب سقوطهم ونكبتهم كمثل من يدرس أحوال نفسه وآثارها، فيحصل منها ومن شئونها على نتيجة مخالفتها للدين وتعاليمه وأوليائه عند التمرّد، كما يحصل على نتيجة موافقتها عند الانقياد.
[1] الآيتان 150 و 151، من السورة 7: الأعراف.