كان لموسى على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام مقام النبوّة والرسالة، وهو أحد أنبياء اولي العَزْم[1] وله كتاب سماويّ وشريعة وقانون. وأطلعه الله على عوالم الغيب، وفتح له باب التكلّم معه فأصبح كليم الله وولد من الأسباط بمصر في ظلّ تسلّط وسيطرة فرعون والفراعنة وقومه الذين كانوا من الأقباط. وببركة هذا النبيّ الكريم ورحمته اجتمع الأسباط وانضووا تحت لواء التوحيد، وهم الذين كانوا من نسل يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم، وكان موطنهم في الشام، وبيت المقدس، وكنعان. وطردوا من ديارهم لغلبة الخصم عليهم، فعاشوا بمصر كالرقيق؛ وكان الفراعنة يذبّحون أبناءهم، ويستحيون بناتهم في بيوتهم كالجواري. ولمّا انتصرت معجزته على سحر السحرة الفرعونيّين، ولقفت عصاه التي انقلبت إلى حيّة حبالهم المتحرّكة بتأثير سحرهم، وآمن السحرة كلّهم برسالته، وبربّ موسى وهارون أمره الله أن ينقل الأسباط من مصر، ويأخذهم إلى الشام حيث موطن أجدادهم ومهد نشأتهم، لينقذهم من الأقباط وأذاهم، فيستعيدوا سيادتهم وحرّيّتهم الاولى.
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي (بني إسرائيل) فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً ولا تَخْشى ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ، وأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى[2].
وهذه الآية إجابة على الآية 29، من السورة 40: المؤمن، إذ جاء فيها على لسان فرعون وهو يقول لقومه: وما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ. فظهر أنّه كذّاب وأنّه لم يهدهم إلّا إلى الضلال والغيّ. وغرق فرعون والفراعنة؛ وعبر قوم موسى البحر بسلام بعد أن ضربه موسى بعصاه فظهر منه اثنا عشر طريقاً يبساً. واجتاز كلّ واحد من الأسباط طريقاً خاصّاً. والأسباط أبناء كلّ سبط من الأسباط الاثني عشر، وهم أبناء يعقوب. وكانوا يخافون بعد اجتيازهم أن يهجم عليهم جنود فرعون. ولم يُخيَّل إلى بعضهم غرق فرعون وهو بذلك الجلال والعظمة والابّهة، ولم يستطيعوا أن يتصوّروا ذلك بقوّتهم الخياليّة. وقد أمر الله البحر أن يقذف جسده إلى الساحل ليراه جميع الناس فيعتبروا.
وما إن عبر بنو إسرائيل البحر، واطمأنّوا من جانب العدوّ، استهواهم هَوَسُ الماضي، فطلبوا من موسى صنماً ليعبدوه.
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ[3].
[1] روى العلّامة الطباطبائيّ في تفسير «الميزان» ج 2، ص 149 في ذيل الآية الكريمة: كان الناس امّةً واحدة فبعث الله النبيّين مبشّرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه نقلًا عن «معاني الأخبار» و «الخصال»، عن عتبة الليثيّ، عن أبي ذرّ رحمه الله قال: قلتُ: يا رسول الله! كم النبيّون؟ قال: مائة و أربعة و عشرون ألف نبيّ! قلتُ: كم المرسلون منهم؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر جمّاً غفيراً! قلتُ! من كان أوّل الأنبياء؟ قال: آدم! قلتُ: و كان من الأنبياء مُرسلًا؟ قال: نعم، خلقه الله بيده، و نفخ فيه من روحه. ثمّ قال: أربعة من الأنبياء سريانيّون: آدم، و شيث، و اخنوخ و هو إدريس و هو أوّل من خطّ بالقلم، و نوح. و أربعة من العرب: هود، و صالح، و شعيب، و نبيّك محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم. و أوّل نبيّ من بني إسرائيل موسى و آخرهم عيسى و ستمائة نبي! قلت: كم أنزل الله تعالى من كتاب؟! قال: مائة كتاب و أربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، و على إدريس ثلاثين صحيفة، و على إبراهيم عشرين صحيفة، و أنزل التوراة، و الإنجيل، و الزبور، و الفرقان.
و قال في ص 146: اعلم أنّ سادات الأنبياء هم اولو العزم. و هم: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم. قال تعالى: فاصبر كما صبر اولو العزم من الرّسل (الأحقاف، آية 35). و سيجيء أنّ معنى العزم فيهم الثبات على العهد الأوّل الماخوذ منهم و عدم نسيانه. قال تعالى: و إذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ابن مريم و أخذنا منهم ميثاقاً غليظاً (سورة الأحزاب، الآية 7). و قال تعالى: ولقد عهدنا إلى ءَادم من قبل فنسي و لم نجد له عزماً (سورة طه، الآية 115).
[2] الآيات 77 إلى 79، من السورة 20: طه.
[3] الآية 138 من السورة 7: الأعراف.