يظهر من قول هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي أنّ موسى أراد أن يضربه لفرط غضبه، كما جاء في سورة الأعراف: وأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ. ولمّا عرض هارون عذره على أنّه لم يقاوم مقاومة تامّة خشية التفرّق والتشتّت بين بني إسرائيل؛ ولذلك لم يخالف أخاه، بل عمل بوصيّته، إذ قال له: أصلح بينهم، ورعاها! قَبِلَ موسى عذره، ودعا لنفسه ولأخيه: «ربّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين»[1].
وعند ما تمّ حديث موسى مع أخيه هارون، جاء دور الحديث مع السامريّ ومؤاخذته ذلك أنّ موسى عليه السلام تحدّث في المرحلة الاولى مع قومه الذين رجعوا عن الطريق وعبدوا العجل. وفي المرحلة الثانية مع أخيه هارون. وها هي المرحلة الثالثة وتتمثّل في مخاطبة السامريّ ومعاتبته: قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ، قالَ بَصُرْتُ (في علم الصبّ ونحت التماثيل) بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي[2]. أن آخذ مقداراً من آلات الزينة التي كانت تحت يد الرسول، وهي تعود له، فألقيها في النار (كي أصنع منها تمثالًا على صورة العجل، عند ما يخرج الهواء من فيه، له خوار[3].
وحكم موسى عليه السلام هنا بمعاقبته المتمثّلة بإخراجه من بني إسرائيل، ولا يحقّ لأحد الاتّصال به حتّى يدركه الموت؛ ثمّ يناله ما ينال المشركين والمضلّين من العذاب يوم القيامة.
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ، إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً[4].
قال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: قوله: «فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ»، (أشدّ عقوبة له، إذ إنّها) قضاء بطرده عن المجتمع بحيث لا يخالط القوم، ولا يمسّ أحداً، ولا يمسّه أحد بأخذ أو عطاء، أو إيواء، أو صحبته، أو تكليم[5].
[1] الآية 151، من السورة 7: الأعراف.
[2] الآيتان 95 و96 من السورة 20: طه.
[3] إنّ ما أوردناه هنا من التفسير هو أحد الاحتمالات التي ذكرها العلّامة الاستاذ الطباطبائيّ رضوان الله عليه في تفسير «الميزان» ج 14، ص 212 و213. وذكرناه لقلّة الإشكالات المثارة عليه قياساً بالمثارة على سائر الاحتمالات كالاحتمال القائل إنّ المراد من الأثر أثر فرس جبرائيل عند الخروج من البحر، أو القائل إنّ المراد هنا آثار رسالة موسى.
[4] الآيتان 97 و98، من السورة 20: طه.
[5] «الميزان» ج 14، ص 213.