قال الله الحكيم في كتابه الكريم: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.[1]
نجد أنّ هذه الآية المباركة قد عدّت الموجود الوحيد القائم بالقسط والعدل الذي شهد على وحدانيّة ذاته المقدّسة هو الله تعالى. ويحقّ للملائكة واولي العلم وحدهم دون غيرهم أن يشهدوا على وحدانيّته أيضاً. وعلى هذا لا يستطيع أحد من مخلوقات العالم السفليّ من جماد، ونبات، وحيوان، وجنّ، وكذلك جميع أفراد البشر أن يشهدوا على وحدانيّته. وليس لأحد قدرة على ذلك ما عدا ذاته المقدّسة، والملائكة الذين هم من العالم العلويّ. ولم يعرفه حقّ معرفته إلّا اولو العلم والمتلمّسون سبل السلام والبالغون درجات التوحيد والمعرفة.
إن اولي العلم هم الذين هُدوا إلى معرفته، وظفروا بمنهل عرفانه العذب الهانئ الحلو بلا شائبة كدورة ومرارة وقلق. وهم الذين يستطعيون أن يقودوا العالم الإنسانيّ تلقاء ذلك المكان المطمئن والمحلّ الآمن المستقرّ، ويكونوا حملة للواء القافلة البشريّة، ويحذّروا من أخطار الطريق، ويعلّموه شروط السفر ومعدّاته ولوازمه، ويرغّبوه في ذلك، وينقذوه من النزغات والوساوس، ويرشدوه إلى الحرم الإلهيّ حيث الهدوء المطلق والسكون المفعم بالبهجة والسرور.
إن الدين عبارة عن مجموعة الأحكام والقوانين والتعاليم التي تدعو الإنسان إلى هذا الهدف. ومن الواضح أنّ حملة راية النهضة الإلهيّة ينبغي أن يكونوا من اولي البصيرة والعلم والمعرفة بالهدف والمقصود، ومن الملمّين بالمقدّمات وطرق السلوك، وأن يكونوا أنفسهم قد طووا هذا الطريق حتى يتسنّى لهم إيصال هذه القافلة إلى بغيتها في الصراط المستقيم سليمة من أدنى خطأ وانحراف.
ولا بدّ للحكومة الدينيّة أي الحكومة الدنيويّة والاخرويّة، أي الحكومة الإلهيّة أن ترتكز على أساس العلم والمعرفة، وإلّا تصبح كحكومة الغاب، وتُمضي الحياة في عالم التوحّش والبهيميّة والسبعيّة، وتقوم على قاعدة القدرة الماليّة، والاعتباريّة، والقوّة الطبيعيّة، والمُخَطَّطَات المفتعلة، وواضح أنّها ستسوق القافلة إلى جهنّم، لا إلى الجنّة.
إن سبب تأسيس الحكومة في المجتمع البشري هو لتنظيم وهداية الأشخاص إلى المسير المستقيم والخطّ الصحيح القويم فيستمتعوا جميعهم بالمواهب الإلهيّة في أحسن شكل وأتمّ صورة. وينعموا بالثروات الموجودة في طريق الكمال. ويطبّقوا عمليّاً ما عندهم من استعدادات وقابليّات بأفضل وجه.
يستطيع القائد والمرشد بما يتمتّع به من قدرة وإمكانيّات تامّة أن يحرّك هذه الجماعة. ولا بدّ له -حتى يتمكّن من قطع دابر المخالفين وقطّاع الطرق وقيادة حركة الجماعة بهدوء وسكينة- أن يكون عالماً بالامور القياديّة ومتمكّناً من إيجاد سبل النجاة، وعارفاً بالأسباب واللوازم، وخبيراً بالمقامات المعنويّة والسير الروحانيّ. وإن لم يكن عالماً وعارفاً، فإنّه لا يستطيع أن يصبح قائداً، حيث سيأخذ بيد الناس إلى طريق الخلاف والفساد، بل ويصبح من المناوئين وقطّاع الطرق، وبالنتيجة سيقف أمام التقدّم والتكامل، شاء أم أبى؛ لأنّه سيقود المجتمع وفقاً لهواه ورغبته، وبذلك سيدمّر الاستعدادات الكامنة عند أشخاص معيّنين، ويسلّمهم إلى الحرمان والإفلاس.
ومَثَل هؤلاء الحكّام كالصخرة التي تقف حائلًا أمام مجرى الماء في النهر، فلاهي تشرب الماء، ولا تدعه يصل إلى الأراضي الزراعيّة، لتعطي محصولها، وتُقطَف أثمارها المفيدة من بساتينها.
أو مثلهم كالمريض الموبوء الذي يجعل من نفسه طبيباً، فلا هو يعالج نفسه، ولا الناس يسلمون منه، إذ سيسري مرضه ويصيب كلّ مَن يتّصل به.
عند ما تتّكي القيادة والحكومة على القوّة والسلاح، أو عند ما تقوم على الانتخاب الذي يتحقّق وفقاً لمجموع أصوات المنتخِبين من العوامّ، فلا يفضي ذلك إلى المدينة الفاضلة.
كانت الحكومة في جميع الأديان السماويّة بيد الأنبياء الماسكين بدفّة إدارة شئون الرعيّة، فيرتّبون امورها، وينظّمون معاشها ويهيّئون ما ينفعها في المعاد على أساس علمهم ومعرفتهم. وهم القائمون بالقسط والعدل.
[1] الآية 18، من السورة 3: آل عمران.