قال تعالى: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ.[1]
وقال في آية أخرى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.[2]
نلاحظ في هذه الآية أنّ الله تعالى جعل سبب إرسال الأنبياء بالمعجزات والأدلّة الواضحة، وإنزال الكتاب والميزان معهم، هو قيام الناس بالقسط، والحياة على أساس العدالة الماديّة والروحيّة، وتأسيس المدينة الإلهيّة الفاضلة. فلا بدّ لحامل لواء هذه النهضة أن يكون نبيّاً عالماً بالله، عارفاً به وبأمره، بصيراً وخبيراً بالمنجيات والمهلكات وبكيفيّة تقديم الإعانات والمساعدات الشخصيّة والقيام بالنهضات العامّة.
فينبغي للنبيّ أن يحمل السيف بيده، ويجاهد في طليعة الامّة، ليطهّر الأرض من العناصر المعاندة والمنتهكة، ويمهّد الطريق لعبوديّة الله ومعرفته، والوصول للحياة المفعمة بالقسط والعدل.
هذه هي ثمار الحديد القاطع والحادّ ومعطياته، الذي ينبغي أن يتسلّح به حماة الرسل وناصروهم، والمميّز للعاشقين الإلهيّين التوّاقين إلى لقاء الله وزيارته في عرصات الامتحان.
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، وما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا وانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.[3]
نجد في هذه الآيات أنّ الأنبياء مع حواريّيهم والمخلِصين المتربّين في نهج الله ينهضون للجهاد في سبيل الله لتطهير الأرض من العناصر الفاسدة والمُفْسِدة. وليميّزون العُصاة المتمرّدين والمعتدين، الذين هم كالغدّة السرطانيّة والجمرة والآكلة، ويفرزونهم عن مجتمع التوحيد الطاهر، ويعدّون الأرضيّة لتربية وتكامل سائر الأشخاص المؤهّلين للصلاح.
وتشير هذه الآيات بوضوح على أنّ الجهاد في سبيل الله لم يقتصر على الإسلام فقط، بل كان الأنبياء السابقون مكلّفين بهذه المهمّة أيضاً، وقد اختلفت أساليب جهادهم، حيث قام كلٌّ منهم بدوره حسب مقتضيات زمانه والظروف التي كانت سائدة آنذاك.
ولا يمكن تصوّر دعوة النبيّ من دون تأسيس الحكومة ومركز السلطة واتّخاذ القرار، كما لا يمكن إيصال دعوة الأنبياء وترسيخها بدون الجهاد والقتال في سبيل الله، لأنّ المعارضين من أصحاب المصالح الشخصيّة موجودون في كلّ زمان ومكان وسيقفون بقوّة أمام دعوة الأنبياء.
غاية الأمر، يجب أن يكون قائد ورئيس هؤلاء المقاتلين نبيّاً، وهذا النبيّ هو العالم الربّانيّ في الامّة. ولا بدّ أن يكون المحور الأساسيّ لهذا الأمر، وقطب الرحى في هذه النهضة، وإذا كان لا بدّ للجيش من قائد، فيجب تعيينه من قِبَل النبيّ، كما نقرأ ذلك في الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن طالوت والنبيّ الذي اختاره أميراً على الجيش؛ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ تَوَلَّواْ إِلَّا قَلِيلا مِّنهُم وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ، وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ ٱللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكا قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلمُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِٱلمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَة مِّنَ ٱلمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصطَفَىٰهُ عَلَيكُم وَزَادَهُۥ بَسطَة فِي ٱلعِلمِ وَٱلجِسمِ وَٱللَّهُ يُؤتِي مُلكَهُۥ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيم.[4]
نرى في هاتين الآيتين ما يأتي:
أوّلًا: أنّ تلك الشريحة من بني إسرائيل لم تختر لها حاكماً وسلطاناً، بل راجعت نبيّها، وطلبت منه أن يولّي عليهم حاكماً ليقاتلوا تحت قيادته وفي ظلّ تدبيره.
ثانياً: اختار لهم نبيُّهم طالوتَ، فاعترضوا عليه بأنّه رجل ليس له جاه وشأن وخَدَم وحَشَم ومال كثير، وينبغي للحاكم أن تكون له هذه الأشياء. وقالوا: إنّهم أجدر منه لحكومة الناس، لما يتمتّعون به من هذه المواصفات والميزات الخارجيّة. فلم يهتمّ النبيّ بكلامهم ولم يُقم لمنطقهم وزناً من منطلق مدرسة العلم والوحي والحقائق.
ثالثاً: ذكر القرآن الكريم أنّ من أهمّ ميزات طالوت هي بسطته في العلم والجسم، أي كثير العلم، وقويّ الجسم. فما هو ضروريّ للحكومة يكمن في القابليّة الفكريّة، والفكر النقيّ، والعلم الكثير، والقدرة الطبعيّة والطبيعيّة؛ وما على الحكومة إلّا أن تسخّر ذلك العلم لترى الطريق الصحيح والمستقيم، وتستثمر تلك القدرة من أجل المصلحة العامّة.
فما أضيق وأسخف رأي القائلين: إنّ النبوّة والحكومة لا تجتمعان! فالنبوّة والعلم الإلهيّ والفقاهة في أمر الدين والبصيرة والمعرفة بالله ونظامه من الشرائط الأوّليّة والمستلزمات العضويّة للحكومة، والفقاهة المذكورة هنا ليست باصطلاح اليوم التي قد يخالف صاحبها العلم والعرفان الإلهيّ، وقد يرى طريق المعرفة موصداً، وقد لا تراه يتقدّم خطوة على طريق تهذيب النفس وتكامل الروح والوصول إلى ذروة المعراج الإلهيّ.
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً.[5]
وعلى هذا الأساس، لمّا عاد بُرَيْدَةَ من سفره بعد وفاة رسول الله ورأى أبا بكر يسمّي نفسه خليفة، ويدعو الناس إلى بيعته، وطلب منه البيعة أيضاً، فامتنع، وقال: لِمَ لَم تبايعوا علياً وصيّ رسول الله؟ وأجابه عمر: لا يجتمع النبوّة والملك في بيت واحد. فقال بريدة: خنتم، وغدرتم ومكرتم! ألم يرد في القرآن الكريم قوله: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً.[6]
وروى الشريف المرتضى علم الهدى عن إبراهيم الثقفيّ بسنده المتّصل عن سفيان بن فروه، عن أبيه، قال: جَاءَ بُرَيْدَةُ حتى رَكَزَ رَايَتَهُ في وَسَطِ (أسْلَمَ) (وهو أيضاً كان من تلك القبيلة أسلميّاً) ثُمَّ قَالَ: لَا ابَايِعُ حتى يُبَايِعَ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ. فَقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ: يَا بُرَيْدَةُ! ادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النّاسُ، فَإنّ اجْتَمَاعَهُمْ أحَبُّ إلى مِنْ اخْتِلَافِهِمْ اليَوْمَ.[7]
وكذلك روى عن إبراهيم الثقفيّ بسنده المتّصل عن موسى بن عبد الله بن الحسين،[8] قال: إنّ عَلِيَّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُمْ: بَايِعُوا فَإنّ هَؤلَاءِ خَيَّرُونِي: أن يَأخُذُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ، أوْ اقَاتِلَهُمْ وافَرّقَ أمْرَ المُسْلِمِينَ.[9]
وروى أيضاً عن إبراهيم الثقفيّ بسنده المتّصل عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال: أبَتْ أسْلَمُ أن تُبَايِعَ؛ فَقَالُوا: مَا كُنّا نُبَايِعُ حتى يُبَايِعَ بُرَيْدَةُ لِقَوْلِ النّبِيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) لِبُرَيْدَةَ: عَلِيّ وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي. قَالَ: فَقَالَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إنّ هَؤلَاءِ خَيَّرُونِي أنْ يَظْلِمُونِي حَقِّي وابَايِعَهُمْ، وارْتَدَّ النّاسُ حتى بَلَغَتِ الرّدَّةُ أحَداً فَاخْتَرْتُ أنْ اظْلَمَ حَقِّي وإنْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا.[10] (إذ إنّ بقاء الدين وعدم تشتّت المسلمين في صبري).
[1] صدر الآية 29، من السورة 7: الأعراف.
[2] الآية 25، من السورة 57: الحديد.
[3] الآيات 146 إلي 148، من السورة 3: آل عمران.
[4] الآيتان 246 و247، من السورة 2: البقرة.
[5] الآية 54، من السورة 4: النساء.
[6] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 546 و547؛ و«غاية المرام» ص 21، الحديث 40. نقلوا هذه الرواية عن إبراهيم الثقفيّ والسريّ بن عبد الله، وكلاهما نقلها بإسناده عن عمران بن حصين، وأبي بريدة. ونحن ذكرناها في الجزء الثامن من كتابنا هذا الدرس 110 إلي 115.
[7] «تلخيص الشافي» ج 3، ص 78؛ و«غاية المرام»، ص 557.
[8] الصحيح هو موسى بن عبد الله بن الحسن، كما جاء في الرواية التي بعدها.
[9] «تلخيص الشافي» ج 3، ص 78؛ و«غاية المرام» ص 557.
[10] «تلخيص الشافي» ج 3، ص 78 و79؛ و«غاية المرام» ص 557.