المراد هنا أنّ الدين الإسلاميّ قد رجّح العلم على كلّ شيء تماشياً مع الفطرة، وتبعاً لحكم العقل المستقلّ. ولذلك قد اشترط رجحان علم القائد على جميع الامّة. ولأنّ العلم كالنور في مقابل الظلام؛ فهل يمكن المقارنة بينهما؟ وأيّهما يقود الناس أفضل من غيره: القائد البصير الذي يمسك زمام النهضة أو الأعمى الذي يحتاج إلى من يوجّهه؟ وما أكثرالآيات الجميلة واللطيفة التي تحمل مضامين متنوّعة عن العلم! وفي ضوء ما ذكره معظم المفسّرين، فإنّ الآيات الاولى التي نزلت على النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) هي آيات سورة العلق التي جرى فيها الحديث عن أكرميّة الله جلّ شأنه، وأثنت عليه بصفة التعليم بالقلم، وتعليم الإنسان ما لم يعلم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ ورَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.[1] (العلق هو الدم المنعقد أو الخليّة الشبيهة بالدودة وهي النطفة).
نلاحظ هنا أنّ الله ذكر صفة أكرميّته على جميع الكائنات، ثمّ ذكر صفة تعليمه بوصفها أفضل نموذج على عظمته.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً.[2]
ترى هذه الآية أنّ ظهور السماوات والأرضين وتنزّل الأمر بينهنّ من عالم الملكوت هو من أجل أن يعلم الإنسان قدرة الله الكاملة وإحاطته العلميّة الشاملة.
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.[3]
يأمر الله نبيّه في هذه الآية المباركة أن يدعوه بزيادة العلم. فما أعظم مقام العلم وما أثمنه، يأمر الله ثمرة عالم الإمكان الوحيدة: رسوله المكرّم، أن يطلب منه زيادة علمه!
وبعد أن استبان أنّ العلم هو أعلى رصيد في الوجود، وأنّ الفطرة والعقل والشرع تشهد على أهمّيّته، فإنّنا نتساءل: هل من المعقول أن يرحل النبيّ الأعظم عن الدنيا، ولا ينصب أعلم امّته حاكماً عليها؟ ويترك هذا الأمر إلى اختيار الامّة، فيحكم غير الأعلم مع وجود الأعلم، ويفعل ما يفعل؟
إنّ هذا لا ينسجم مع منطق الإسلام وفلسفته. ويغاير الأساس الأصيل الذي ارتكزت عليه مدرسة الإسلام العظيمة.
[1] الآيات 1 إلي 5، من السورة 96: العلق.
[2] الآية 12، من السورة 65: الطلاق.
[3] الآية 114، من السورة 20: طه.