الفصل الثاني
التغير التقني
Technical Change
المبحث الأول: مفهوم التغير التقني
المبحث الثاني: موقع متغير التغير التقني في النظرية الاقتصادية.
المبحث الثالث: قياس الإنتاجية والتغير التقني.
تمهيد
التغير التقني
Technical Change
منذ فترة طويلة نسبياً كان الاعتقاد السائد بأن عنصري العملية الإنتاجية (العمل ورأس المال) هما المحددان الاساسيان لعملية النمو، لكن بعد اتضاح أن معدلات نمو الناتج غدت أكبر من معدلات نمو هذين العنصرين، توجهت الأنظار إلى وجود عنصر آخر الا وهو التغير التقني.
بدأ الاهتمام يتنامى بهذا العنصر من خلال نظريات النمو الاقتصادية كونه متغيراً اقتصادياً يساهم في التأثير في بقية المتغيرات الاقتصادية ويتفاعل معها في تحديد مسار النمو الاقتصادي نتيجة لظهور دلائل تجريبية في العديد من الاقتصادات والتي تميزت باستخدام منجزات المعرفة العلمية في تسيير أنشطتها الاقتصادية.
ركز هذا الفصل في مبحثه الأول على مفهوم التغير التقني من خلال تحليل دالة الإنتاج في المدى الطويل والقصير، وبيان المفاهيم والدلالات التي ينطوي عليها التغير التقني، مما ساعد الباحث على تبني تعريف لهذا المفهوم، وجاء المبحث الثاني ليوضح موقع هذا المتغير - التغير التقني - في النظرية الاقتصادية من خلال تصنيفه المضمن وغير المضمن (Embodied and Disembodied)، وافرد المبحث الثالث لتوضيح قياس الإنتاجية والتغير التقني في اتجاهين، الأول قياس إنتاجية العامل الكلية (TFP) وعده تعبير عن التغير التقني (TC) بافتراض ثبات الكفاءة (Efficiency)، والثاني قياس التغير التقني (TC) + الكفاءة (Eff) للوصول إلى إنتاجية العامل الكلية (TFP).
1-2 المبحث الأول: مفهوم التغير التقني
برز مفهوم التغير التقني ( (Technical Change من خلال نظريات النمو الاقتصادي (Economic Growth Theory)، ليصبح أحد المتغيرات الاقتصادية الفعالة في عملية النمو ضمن إطاريها الجزئي (Micro) أو الكلي (Macro) ، وببساطة شديدة فإن العملية الإنتاجية تعني استخدام عوامل الإنتاج - المدخلات (Inputs) - للحصول على المخرجات (Outputs)، وعوامل الإنتاج تتحدد بالعمل ورأس المال (المدخلات الفيزيائية) التي كانت تعد المحدد لوتيرة النمو الاقتصادي عبر الزمن، لكن بعد فشل الأدوات الاقتصادية والإحصائية التقليدية في تبرير معدلات النمو المتسارعة للإنتاج بناء على مصدري الزيادة في العمل ورأس المال، بدأ الاهتمام التغير التقني الذي اتضحت صورته نتيجة تطور المعالجات الإحصائية والوضوح النسبي لطرق التجميع وازدياد وتنوع البيانات بالاتجاه نحو تفسير ظاهرة التباين بين معدلات النمو المتحققة للإنتاج، مقارنة بنمو مدخلاته.
ويمكن ربط نقطة البدء الحقيقية لتحليل متغير التغير التقني وقياسه مع محاولة البعض تفسير المسار الفعلي للنمو الاقتصادي للولايات المتحدة (US) أثبت التحري الإحصائي أن مجموع معدلات نمو المدخلات - العمل ورأس المال - الموزونة بحصصها هي أقل من معدل النمو الفعلي للناتج، ويمكن توضيح ذلك من خلال المتباينة الآتية:

تمثل L , K, O'' (معدلات نمو الناتج، رأس المال، العمل) على التوالي، بينما (m, n ) هما حصتا مدخلي رأس المال والعمل في الناتج) (1).
إن نمو الناتج بمعدلات تفوق معدلات نمو المدخلات سمي بداية (2):
- بالنمو غير المفسر (Unexplained).
ـ أو حسب ما سماه (Harrod) بالمتبقي (Residual).
ـ وأطلق (Denison) على هذا المتبقي بقياس المهمل ( Measurement of Ignorance .
كما فسره البعض كونه هبة من السماء كالمن (Technological progress falls like manna from heaven.
يعد كل من عنصر العمل، عنصر رأس المال (تراكم رأس المال أو الاستثمار)، عنصر التغير التقني، المحددات الأساسية للنمو الاقتصادي (3) حيث توجد علاقات مترابطة بين هذه العوامل، وهي حقاً العوامل المباشرة في تحديد عملية النمو، إلا أنها ليست مسبباتها (النهائية) وذلك لأن هذه العوامل ذاتها تتعلق بعوامل أخرى، فالواقع الاجتماعي والسياسي يلعبان دوراً مهماً في تحديد سرعة النمو الاقتصادية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمود محمد داغر، دور التقدم التكنولوجي في نمو الصناعة التحويلية في العراق، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، 1990، ص 17.
(2) انظر في ذلك محمود محمد داغر، رسالة دكتوراه، مصدر سابق، ص 17-18.
David, F.Heathfield and Soren Wibe, "An Introduction to Cost Production Function", (Hong Kong: Macmillan Education), 1987.p.122.
(3) انظر في ذلك:
- كلاوس روزه، الأسس العامة لنظرية النمو الاقتصادي، ترجمة د. عدنان عباس علي (بنغازي: جامعة قاریونس)، 1990، ص 10.
- ستانليك، مقدمة في الاقتصاد الكلي، ترجمة د. محمد عزير، (بنغازي: جامعة قاريونس)، 1992، ص 393.
هنا نفرق بين النمو الاقتصادي (Economic Growth) والتنمية الاقتصادية (Economic Development)، فكلا المصطلحين يشيران إلى الزيادة المطردة في نصيب الفرد من الدخل القومي فعندما يزيد دخل الفرد في إحدى الدول الصناعية المتقدمة يتم وصف هذه الزيادة بالنمو الاقتصادي، وعلى الجانب الآخر، عندما يرتفع نصيب الفرد من الدخل القومي في إحدى الدول الآخذة في النمو، فإنه يتم وصف هذا الارتفاع بالتنمية الاقتصادية، وهذه الأخيرة تشير إلى أكثر من مجرد الزيادة في نصيب الفرد من الدخل القومي، فهي تشير إلى الزيادة السريعة والتحول في بنية (هيكل) الاقتصاد القومي (أنظر في ذلك: د. سامي عفيفي حاتم، النظرية الاقتصادية - مدخل لدراسة الموضوعات الاقتصادية)، (مصر: الدار المصرية اللبنانية)، 1992، ص 41.