استبان في هذه المباحث أنّ لأمير المؤمنين عليه السلام المقام الأوّل في العلم بين أفراد الامّة الإسلاميّة قاطبة. ولم يصل أحد من الصحابة لذروة ما بلغه طائر علمه المحلّق الطموح، إذ كانوا يتساقطون بأجنحة مهيضة أمام تربّعه على قمّة طود العلم؛ ولم تكن الامّة الإسلاميّة وحدها دونه، بل كانت الامم الاخرى بأسرها كذلك، وليس هذه الامم فحسب، بل كان الأنبياء السابقون جميعهم أيضاً كذلك.
قال ابن شهرآشوب: رجع عمر إلى عليّ عليه السلام في ثلاث وعشرين مسألة لم يجب عنها أيّام خلافته حتى قال: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ. وقد رواه الخلق منهم أبو بكر بن عبّاس،[1] وأبو المظفّر السمعانيّ.
وقال الصاحب بن عبّاد في هذا المجال:
هَلْ مِثْلُ فَتْوَاكَ إذْ قَالُوا مُجَاهَرَةً *** لَوْ لَا عَلِيّ هَلَكْنَا في فَتَاوِينَا
وقال الخطيب الخوارزميّ:
إذا عُمَرُ تَخَطَّ في جَوَابِ *** ونَبَّهَهُ عَلِيّ بِالصَّوَابِ
يَقُولُ بِعَدْلِهِ لَوْ لَا عَلِيّ *** هَلَكْتُ هَلَكْتُ في ذَاكَ الجَوَابِ
وقد اشتهر عن أبي بكر قوله: فَإن اسْتَقَمْتُ فَاتَّبِعُونِي وإنْ زِغْتُ فَقَوِّمُونِي. وقوله: أمّا الفَاكِهَةُ فَأعرفها، وأمّا الأبُّ فالله أعلم.[2]
وقوله في الكَلَالَةِ: أقُولُ فِيهَا بِرَأي فَإنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللهِ؛ وإنْ أخْطَأتُ فَمِنّي ومِنَ الشَّيْطَانِ؛ الكَلَالَةُ مَا دُونَ الوَلَدِ والوَالِدِ.[3]
ولم يحر عمر جواباً عند ما سأله سبع[4] عن الذَّارِيات.
وورد عن عمر أيضاً قوله: لَا تَتَعَجَّبُوا مِنْ إمَامٍ أخْطَأ وامْرَأةٍ أصَابَتْ، نَاضَلَتْ أمِيرَكُمْ فَنضَلَتْهُ.
وكذلك في المسألة الحِمَارِيَّة، وآية الْكَلالَةِ، وقضائه في إرث الجَدِّ[5]، وغير ذلك من القضايا والمسائل التي سئل عنها عمر، وعيّ عن جوابها.
وقد شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين عليه السلام بالعلم في قوله: عليّ عَيْبَةُ عِلْمِي. وقوله: عَلِيّ أعْلَمُكُمْ عِلْماً وأقْدَمُكُمْ سِلْماً. وقوله: أعْلَمُ امَّتِي بَعْدِي عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ. رواه عليّ بن هاشم، وابن شيرويه الديلميّ بإسنادهما إلى سلمان.
وقوله: أعْطَى اللهُ عَلِيَّاً مِنَ الفَضْلِ جُزْءً لَوْ قُسِّمَ عَلَى أهْلِ الأرْضِ لَوَسِعَهُمْ؛ وأعْطَاهُ مِنَ الفَهْمِ جُزْءً لَوْ قُسِّمَ عَلَى أهْلِ الأرْضِ لَوَسِعَهُمْ.
وما ذُكر في «حلية الأولياء» أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن عليّ عليه السلام، فقال: قُسِّمَتِ الحِكْمَةُ عَشَرَةَ أجْزَاءٍ فَاعْطِى عَلِيّ تِسْعَةَ أجْزَاءٍ والنّاسُ جُزْءً وَاحِداً.[6]
وقال ربيع بن خُثيم: مَا رَأيْتُ رَجُلًا مَنْ يُحِبُّهُ أشَدَّ حُبَّاً مِنْ عَلِيّ ولَا مَنْ يُبْغِضُهُ أشَدَّ بُغْضاً مِنْ عَلِيّ. ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: «وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً».[7]
واستُدِلَّ بالحساب فقالوا: أعْلَمُ الامَّةِ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ اتّفقا، في مائتين وثمانية عشر. وكذلك قولهم: أعْلَمُ الامَّةِ جَمَالُ الامَّةِ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ سَيِّدُ النّجَبَاءِ، اتّفقا في ثلاثمائة وسبعين.
وقال ديك الجنّ:
هُوَ الذي سُمِّي أبَا البَيَانِ *** صَدَقْتَ قَدْ أصَبْتَ بِالبَيَانِ
وَهُوَ أبُو العِلْمِ الذي لَا يُعْلَمُ *** مِنْ قَوْلِهِ قُولُوا ولَا تَحَمْحَمُوا
وقد أجمعوا على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: أقْضَاكُمْ عَلِيّ.
[1] جاء في نسخة «المناقب» المطبوعة: عبّاس. ويبدو أنّه سهو، والصحيح هو أبو بكر بن عيّاش، وردت ترجمته في «تنقيح المقال» ج 3، ص 5 و6، باب الكُنى. كان معاصراً للإمام الصادق عليه السلام وروي عنه. ويمكن إثبات تشيّعه من رواية وردت عنه في «التهذيب» في باب الإرث كما دلّت عليه حواشي السيّد صدر الدين علي «منتهي المقال».
[2] «الآية 31، من السورة 80: عبس. وفاكِهَةً وأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ ولِأَنْعامِكُمْ.
الابّ هو ما تأكله الإنعام كما يظهر ذلك من الآية نفسها، إذ إنّ قوله: «مَتاعاً لَكُمْ» يعود علي الفاكهة، وقوله: «وَ لِأَنْعامِكُمْ» يعود علي الأبّ.
[3] الكلالة أقرباء الميّت من امّه كالأخ والاخت من الامّ. وقد يطلق علي أقربائه من الأب أيضاً.
[4] ذكر في التعليقة قائلًا: الظاهر أنّ اللفظ في السائل من عمر: سبيع كأمير. وبه سُمّي جمع منهم ممّن ذكره ابن حجر في «التقريب». ويحتمل أنّه سبيع بن خالد اليشكريّ. وأمّا ما نقل في «بحار الأنوار» فاللفظ فيه بالصاد بدل السين. ولم أظفر بمن سُمِّي به.
[5] مسائل سيأتي شرحها في هذا الدرس إن شاء الله تعالي.
[6] رواه الحمّوئيّ في كتاب «فرائد السمطين» ج 1، ص 94، الحديث 63؛ ورواه الخوارزميّ أيضاً في مناقبه، الفصل 10، ص 49؛ وفي مقتله، الفصل 4، ج 1، ص 43؛ وذكره أبو نُعَيم الإصفهانيّ في «حلية الأولياء» ج 1، ص 65.
[7] الآية 269، من السورة 2: البقرة.