قد دُوِّنت كتب مستقلّة في باب قضائه ومرافعاته وأجوبته عن الأسئلة المستعصية. وقد روى عدد من العلماء شيئاً منها في كتبهم كالكلينيّ في «الكافي»، والشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»، والشيخ المفيد في «الإرشاد»، والشيخ الطوسيّ في «تهذيب الأحكام»، والشريف الرضيّ في «خصائص الأئمّة»، وابن شهرآشوب في «المناقب».
وألّف كثير من العلماء المتقدّمين كتباً مستقلّة في هذا الموضوع لم يصلنا شيء منها. فهي إمّا فقدت تماماً على تواتر الأعصار، أو أنّها موجودة بَيدَ أنّها لم تفهرس في مكتبة من المكتبات. مثل كتاب إسماعيل بن خالد، وكتاب عبد الله بن أحمد بن عامر، كما هو مذكور في فهرست الشيخ الطوسيّ، والنجاشيّ. وكتاب محمّد بن قيس الأسديّ على ما نقله النجاشيّ، وكتاب محمّد بن قيس البجليّ الوارد اسمه في فهرست الشيخ الطوسيّ، والنجاشيّ؛ ويروي عنه مشايخ الحديث. وغير ذلك.
وخصّص كلّ من المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» والشيخ الحرّ العامليّ في «وسائل الشيعة» باباً في قضايا الإمام ومرافعاته. وقال ابن شهرآشوب: صنّف موفّق المكّيّ من العامّة كتاباً في هذا الموضوع.
وأشار العلّامة الأمينيّ إلى قسم منها في موسوعة «الغدير» ج 6، باب نوادر الأثر في علم عمر. ودوّن الشيخ محمّد تقي الشوشتريّ كتاباً عنوانه: «قضاء أمير المؤمنين عليه السلام»؛ وألّف الشيخ ذبيح الله المحلّاتيّ كتاباً بعنوان «الحقّ المبين» في الأحكام القضائيّة لأمير المؤمنين عليه السلام؛ وحرّر السيّد محسن الأمين العامليّ كتاباً عنوانه: «عجائب أحكام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام» من كتاب عليّ بن إبراهيم القمّيّ.
وقال المرحوم الأمين في مقدّمة هذا الكتاب: من الكتب المؤلّفة في قضايا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأحكامه: الأوّل: كتاب ضخم قال عنه الشيخ البهائيّ في شرح الحديث 28 من أربعينه: اطّلعت عليه بخراسان.
الثاني: كتاب محمّد بن قيس البَجَليّ من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وعنوانه: «قضايا أمير المؤمنين». روى عنه الشيخ النجاشيّ والشيخ الطوسيّ بسنديهما.
الثالث: كتاب المعلى بن محمّد البَصْريّ الذي قال فيه النجاشيّ: له كتاب «قضايا أمير المؤمنين عليه السلام».
الرابع: كتاب المحدّث الشهير الترمَذيّ صاحب الصحيح، ذكر الفاضل المعاصر الشيخ عبد الله العَلايليّ في الحلقة الاولى من سيرة الحسين عليه السلام، ص 142 أنّ الإمام الترمذيّ عني بأقضية أمير المؤمنين عليه السلام وضبطها وحفظها، وجمعها في مجموعة. ونقل العلّامة ابن القيّم الجوزيّ في كتاب «السياسة الشرعيّة» قسماً كبيراً منها عن الترمذيّ.
الخامس: كتاب «عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام» وعندنا نسخة مخطوطة منه. ورواياته كلّها عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، رواها عن عليّ بن إبراهيم القمّيّ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم بأسنادهم المتّصلة التي تصل إلى الأصبغ بن نُبَاته،[1] والإمام محمّد الباقر، والإمام جعفر الصادق، والإمام الحسن العسكريّ عليهم السلام، والحارث الأعور الهمدانيّ، وعديّ بن حاتم الطائيّ.
ويروي محمّد بن عليّ بن إبراهيم في هذه المجموعة كلّها عن أبيه بالأسناد المذكورة.[2]
واستدلّ الشيخ المفيد بالآيات القرآنيّة[3] الواردة في فضيلة العلم على وجوب اتّباع أمير المؤمنين عليه السلام بملاك العلم والأعلميّة، وذهب إلى أنّه أحقّ بالخلافة والإمامة. وخصّص فصولًا في كتابه لقضايا الإمام ومحاكماته.
[1] قال المرحوم الأمين: جاء في هامش أصل كتاب «عجائب الأحكام» لعليّ بن إبراهيم: اشتقاق الأصبغ من قول العرب: فرس أصبغ والانثي صبغاء، وهو الذي في طرف اذنيه بياض. وكان الأصبغ علي شرطة أمير المؤمنين عليه السلام.
[2] «عجائب أحكام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام» للسيّد محسن الأمين العامليّ، طبعة بيروت، مفاد ومحصّل الكلام ص 31 إلي 35.
[3] الاولي: الآية 35، من السورة 10: يونس: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. وقد تحدّثنا عن هذه الآية في الجزء الأوّل من كتابنا هذا، في الدرس الثاني عشر. الثانية: الآية 9، من السورة 39: الزمر: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. وبيّنا في بداية هذا الدرس إجمالًا في تفسيرها. الثالثة: الآية 247، من السورة 2: البقرة: وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ وبَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ ومَنْ يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. وقمنا ببحثها في هذا الجزء، الدرس 151 و152. الرابعة: الآيات 30 إلي 33، من السورة 2: البقرة: وإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ، وعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ، قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والْأَرْضِ وأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
نري هنا أنّ الله جلّ جلاله نبّه علي أنّ آدم أحقّ بالخلافة علي الأرض منهم، لأنّه أعلم بالأسماء وأفضلهم في علم الأنباء. وهذا هو مناط الخلافة علي الأرض، وهو ممّا لم يكن للملائكة.( «الإرشاد» ص 106 و107).