لمّا أراد رسول الله صلى الله عليه وآله تقليده قضاء اليمن وانفاذه إليهم ليعلّمهم الأحكام ويبيّن لهم الحلال من الحرام ويحكم فيهم بأحكام القرآن، قال له أمير المؤمنين عليه السلام: تَنْدُبُني يَا رَسُولَ اللهِ للِقَضَاءِ وأنَا شَابّ ولَا عِلْمَ لِي بِكُلِّ القَضَاءِ.
فقال له: ادْنُ مِنّي! فدنا منه، فضرب على صدره بِيده، وقال: اللَهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وثَبِّتْ لِسَانَهُ!
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فَمَا شَكَكْتُ في قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَينِ بَعْدَ ذَلِكَ المَقَامِ.[1]
ولمّا توجّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى اليمن واستقرّت به الدار هناك، ونظر فيما ندبه إليه رسول الله من القضاء والحكم بين المسلمين، رُفع إليه رجلان في غلام وُلِدَ من جارية لهما و كلّ منهما يدّعي الغلام له. وكان لهذين الرجلين جارية يملكان رِقّها على السواء، وقد جهلا حظر وطئها فوطاها في طهر واحد على ظنّ منهما جواز ذلك لقرب عهدهما بالإسلام، وقلّة معرفتهما بما تضمّنته الشريعة من الأحكام، فحملت الجارية ووضعت غلاماً. فاختصما إليه فيه، فقرع على الغلام باسمهما.[2] فخرجت القرعة لأحدهما، فالحق الغلام به، وألزمه نصف قيمته لو كان عبداً لشريكه. وقال: لو علمت أنّكما أقدمتما على ما فعلتماه بعد الحجّة عليكما بحظره، لبالغتُ في عقوبتكما.[3]
وبلغ رسول الله هذه القضيّة، فأمضاها، وأقرّ الحكم بها في الإسلام، وقال: الحَمْدُ للهِ الذي جَعَلَ فِينَا أهْلَ البَيْتِ مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ وسَبِيلِهِ في القَضَاءِ.[4]
وذكر ابن شهرآشوب عن فضائل أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن عيّاش بإسناده عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قضى في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأعجب رسول الله وقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ الحِكْمَةَ فِينَا أهْلَ البَيْتِ.[5]
[1] ورواه ابن كثير أيضاً في «البداية والنهاية» ج 5، ص 107 عن أحمد بن حنبل، وابن ماجه، وأبي داود؛ وأخرجه محبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة» ج 3، ص 213؛ وذكره ابن حجر الهيتميّ في «الصواعق المحرقة» ص 73 وقال: أخرجه الحاكم وصحّحه؛ وورد أصله في «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 135 مصحّحاً. ونقل البحرانيّ في كتابه «غاية المرام» القسم الثاني، ص 529 خمسة أحاديث عن العامّة تحت الرقم 7 إلي 11 عن أحمد بن حنبل، وحديثاً واحداً تحت الرقم 13 عن الخوارزميّ في هذا الموضوع؛ وأخرجه سبط بن الجوزيّ في تذكرته عن أحمد بن حنبل في الفضائل، ثمّ قال: أخرجه أحمد أيضاً في مسنده؛ وذكره ابن إسحاق وغيره في «المغازي». وورد في «المغازي» أنّ رسول الله قال له: إذَا جلس بين يديك خصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر مثل ما سمعت منه فإنّك إذا فعلت ذلك تبيّن لك القضاء.
[2] الاقتراع على النحو الآتي: يكتب اسم كلّ واحد من المتنازعينِ على قطعة من الخشب أو شيء آخر، ثمّ تشدّ في قطعتين من القماش، ويُطْلَب من طفل أن يرفع أحدهما، فيُعطى الوليد لمن رُفع اسمه. وورد في تهذيب الشيخ الطوسيّ ج 6، ص 239 عن الإمام الصادق عليه السلام في المولود الذي لا يعرف هل هو ذكر أو انثى. يكتب على سهم: عبد الله. ويكتب على سهم آخر: أمَة الله، ثمّ يقول الإمام أو المقرِع: اللهمَّ أنت الله لا إله إلّا أنت عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، بيّن أمر هذا المولود.
[3] «الإرشاد» للشيخ المفيد، ص 107.
[4] «الإرشاد» ص 108.
[5] «المناقب» ج 1، ص 489، الطبعة الحجريّة؛ و«ذخائر العقبي» ص 85 عن حميد بن عبد الله بن يزيد أنّ أحمد أخرجه في «المناقب»؛ وأخرجه الطبريّ أيضاً في «الرياض النضرة» ج 3، ص 216 عن مناقب أحمد.