روى ابن شهرآشوب عن أبي داود، وابن ماجه في سننهما، وعن ابن بَطَّة في «الإبانة»، وأحمد في «فضائل الصحابة»، وأبي بكر بن مردَوَيْه في كتابه بطرق كثيرة عن زيد بن أرقم أنّه قال:[1] قيل للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم): أتى إلى عليّ عليه السلام باليمن ثلاثة نفر يختصمون في ولد لهم كلّهم يزعم أنّه وقع على امّه في طهر واحد، وذلك في الجاهليّة. فقال عليّ: إنّهم شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ.[2] فقرع على الغلام باسمهم، فخرجت لأحدهم، فالحق الغلام به، وألزمه ثلثي الدية لصاحبيه، وزجرهما عن مثل ذلك. فلمّا بلغ النبيّ ذلك، قال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ فِينَا أهْلَ البَيْتِ مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ.[3]
لقد عمل الإمام هنا بما تقتضيه قاعدة العدل والإنصاف، إذ تتعذّر نسبة الولد إلى أبوين على ضوء القواعد العلميّة والأحكام الشرعيّة، فلهذا هو لواحد منهما. ولكن لمّا كان ابناً لجارية، وأولاد الإماء يحسبون من منافعها، لا من منافع الذي وطأها. ومن جهة اخرى، لمّا كان اولئك الرجال الثلاثة أحراراً، لا عبيداً أرقاء، ولا بدّ لابن الحرّ أن يكون حرّاً كأبيه، فلا مناص من تثمين هذا الولد المولود من الجارية على فرض رقّيّة أبيه، ودفع ثلثي ثمنه للشريكين المتخاصمين فيه، والحكم بحرّيّة الطفل، وإلحاقه بأحدهم عن طريق القرعة.
وتستعمل قاعدة العدل والإنصاف في كثير من الحالات، كتنازع شخصين على بيت، يدّعي كلّ منهما أنّ البيت كلّه له، ولا بيّنة (شاهدين عادلين) لهما، وكذلك لا توجد سائر أمارات الملكيّة كاليد وأمثالها.
وعموماً، هما متساويان في ادّعائهما من جميع الجهات. وحينئذٍ يقسم البيت بينهما لكلّ واحد منهما نصفه. وهذه من الحالات التي تُقدّم فيها المخالفة القطعيّة على الموافقة الاحتمالية، إذ إنّ نصف البيت قد اعطي لغير المالك قطعاً. ولو أعطينا أحدهما بالقرعة، فإنّ احتمال ملكيّة صاحب القرعة قائم؛ ولكن مع ذلك تقدّم قاعدة العدل على قاعدة القرعة. بَيدَ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لا يستطيع أن يطبّق قاعدة العدل والإنصاف في النسب أيضاً عند ادّعاء شخصين أو ثلاثة بالطفل الواحد، فيلحقه بأبوين أو ثلاثة آباء، ذلك أنّ انعقاد النطفة يتمّ بواسطة حويمن واحد حسب الدلائل العلميّة التحقيقيّة الضروريّة. وفي ضوء الأحكام الشرعيّة، فإنّ إلحاق الطفل بأب واحد من الضروريّات. فلهذا قال: شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ. وفي هذا الفرض تطبّق قاعدة الإنصاف في القرعة فحسب؛ ويتحقّق دفع قيمة المولود من امّه بحساب سهام الشركاء.[4]
وكانت هذه المرافعة في حالة ينبغي أن تفرض امّ الولد فيها جارية، والولد له قيمة؛ وإلّا إذا كانت الامّ حرّة، فليس على الأب الذي عُيّن ولده بالقرعة أن يدفع غرامة لمدّعيه.
إنّ المراد من الحكم الداوديّ الوارد في هذه الروايات هو القضاء عن طريق الإلهام. أي: أنّ داود على نبيّنا وآله وعليه السلام كان يحكم في المرافعات باستخبار ضميره على نحو الإلهام. وقد تحقّق هذا الطريق لأمير المؤمنين عليه السلام بدعاء النبيّ صلى الله عليه وآله له عند إيفاده إلى اليمن.
ومن جملة هذه الموارد، حكم ذكره الشيخ المفيد في «الإرشاد» فقال: إنّ امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادّعته كلّ واحدة منهما ولداً لها بغير بيّنة. ولم ينازعهما فيه غيرهما. فالتبس الحكم في ذلك على عمر، وفزع فيه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما، فأقامتا على التنازع والاختلاف. فقال عليه السلام عند تماديهما في النزاع: ايتوني بمنشار، فقالت المرأتان: ما تصنع به؟! فقال: أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه! فسكتت إحداهما، وقالت الاخري: اللهَ اللهَ يَا أبَا الحَسَنِ! إن كان لا بدّ من ذلك، فقد سمحت به لها! فقال عليه السلام: اللهُ أكْبَرُ هذا ابْنك دونها! ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت. فاعترفت المرأة الاخرى بأنّ الحقّ مع صاحبتها والولد لها دونها. فسُري عن عمر، ودُعي لأمير المؤمنين عليه السلام بما فرّج عنه في القضاء.[5]
وذكر ابن شهرآشوب هذه الرواية، وأضاف في خاتمتها ما نصّه: وهَذَا حُكْمُ سُلَيْمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ في صِغَرِهِ.[6]
[1] رواه أيضاً ابن كثير في «البداية والنهاية» ج 5، ص 107 و108 عن أحمد بن حنبل والنسائيّ وداود بعدّة أسناد؛ وأخرجه محبّ الدين الطبريّ في «ذخائر العقبي» ص 85 عن أحمد في «المناقب»؛ وذكره في «الرياض النضرة» أيضاً، ج 3، ص 216؛ ونقله الحاكم في مستدركه، ج 3، ص 136 و137.
[2] اقتباس من الآية 29، من السورة 39: الزمر.
[3] «المناقب» ج 1، ص 487؛ وذكره محبّ الدين الطبريّ في «ذخائر العقبي» ص 85. وروى الكلينيّ في «الكافي» ج 2، ص 55، الطبعة الحجريّة قضيّة القرعة عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، ومحمّد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، قال: إذَا وَقَعَ الحرّ والعبدُ والمشترك بامرأةٍ في طُهر واحد فادّعوا الولد، اقرع بينهم فالولد للذي يَخْرُج سهمُه. وذكر الكلينيّ قضاء أمير المؤمنين عليه السلام في الأشخاص الثلاثة الذين واقعوا الجارية في طهر واحد باليمن، كما نقلناها في المتن، وذلك في الجزء الثاني من الطبعة الحجريّة لكتاب «الكافي» ص 55، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام. وقال في آخر الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إنّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ تَنَازَعُوا ثُمَّ فَوَّضُوا أمْرَهُمْ إلَى اللهِ عزّ وجلّ إلَّا خَرَجَ سَهْمُ المُحِقِّ. ورواه الشيخ الطوسيّ في الجزء الثالث من «الاستبصار» ص 369 عن الكلينيّ؛ وكذلك رواه في «تهذيب الأحكام» ج 3، ص 238؛ وذكره الصدوق أيضاً في كتاب «من لا يحضره الفقيه» ج 3، ص 54 عن عاصم بن حميد بهذا السند نفسه؛ وورد في «كنز العمّال» ج 6، ص 106، الطبعة الثانية، حيدرآباد؛ وأورده البحرانيّ في «غاية المرام» ص 528، الحديث الرابع عن العامّة، عن أحمد بن حنبل. وذكر في الصفحة 530 ثلاثة أحاديث عن الخاصّة، رقم 4 إلى 6 عن الشيخ والكلينيّ.
[4] قال الشيخ الصدوق: محمّد بن عليّ بن بابويه في كتاب «المقنع»: إذا اشترى رجلان جارية فواقعاها جميعاً، فأتت بولد. فإنّه يقرع بينهما. فمن أصابته القرعة، الحق به الولد، ويغرم نصف قيمة الجارية لصاحبه. وعلى كلّ واحد منهما نصف الحدّ. وإن كانوا ثلاثة نفر فواقعوا جارية على الانفراد، بعد أن اشتراها الأوّل وواقعها، والثاني اشتراها وواقعها، والثالث اشتراها وواقعها، كلّ ذلك في طهر واحد، فأتت بولد، فإنّ الحقّ أن يلحق الولد بالرجل الذي عنده الجارية ليصير إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقال والدي( علي بن بابويه) في رسالته إلَيَّ: هذا ما لا يخرج في النظر وليس فيه إلّا التسليم انتهى.( «المقنع» باب القضاء والأحكام، الطبعة الحجريّة ضمن مجموعة بعنوان «الجوامع الفقهيّة»). أقول: في المسألة الاولى التي اشترى فيها رجلان جارية، وواقعاها، علماً بأنّ مواقعتها تحرم عليهما، أفتى المرحوم الصدوق بأن يدفع الأب للشخص الآخر نصف قيمة الجارية، لا نصف قيمة الطفل، وذلك بعد القرعة وإلحاق الطفل به. أي: ينتقل إليه النصف الآخر للجارية قهراً عليه وإجباراً بسبب المواقعة والإتيان بالولد. وعليه أن يؤدّي قيمة النصف الذي تجاوز فيه. وأمّا المسألة الثانية التي تتمثّل بمواقعة ثلاثة نفر الجارية المذكورة على الانفراد في طهر واحد، فلم يحكم بالقرعة، بل حكم بإلحاق الولد بالشخص الثالث الذي كانت الجارية عنده، على ضوء كلام رسول الله صلى الله عليه وآله. وهذا الإلحاق موضع إشكال، إذ إنّ الحكم الشرعيّ يقتضي أنّ الشخص الذي يشتري الجارية، لا يواقعها إلى أن يمضي عليها طهر واحد، بينما كانت مواقعة المشتري الثاني والثالث عن عمد وعلم بالمسألة. فهما في هذا الفرض عاهران زانيان وينبغي إلحاق الولد بالمالك الأوّل الذي كانت مواقعته صحيحة وشرعيّة. وإذا كان هناك جهل بالحكم والمسألة فمواقعتهم وطي بالشبهة ولا تجري عليها قاعدة: الولد للفراش. ولا بدّ من إلحاق الولد بالقرعة في هذه الحالة، لأنّ استصحاب عدم انعقاد النطفة في مواقعة الأوّل والثاني لا يثبت انعقاد نطفة الثالث. وتتعارض جميع الاستصحابات الثلاثة.
[5] «الإرشاد» ص 113، الطبعة الحجريّة.
[6] «المناقب» ج 1، ص 497 و498 الطبعة الحجريّة؛ وذكر المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار» ج 9، ص 483، الطبعة الحجريّة، عن «المناقب» و«الإرشاد».