دية النساء الثلاث اللاعبات: ذكر الشيخ المفيد في «الإرشاد» أنّه رُفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام خبر جارية حملت جارية على عاتقها عبثاً ولعباً؛ فجاءت جارية اخرى، فقرصت الحاملة، فقمصت لقرصتها، فوقعت الراكبة، فاندقّت عنقها وهلكت.
فحكم أمير المؤمنين عليه السلام أنهنّ شريكات في دمها وقضى على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثاً القامصة (والنتيجة أنّ القارصة والقامصة تدفعان ثلثي الدية إلى ورثة الراكبة التي ماتت).
وبلغ الخبر بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأمضاه وشهد له بالصواب.[1]
والقارصة هي المرأة التي تقرص. أمّا القَامِصة فهي التي تثب وتقفز. وأمّا الواقصة فهي الكاسرة.[2]
وروى ابن شهرآشوب هذه الرواية عن أبي عبيد في «غريب الحديث»، وعن ابن مهدي في «نزهة الأبصار» عن الأصبغ بن نُباتة.[3]
وروى ابن الأثير الجزريّ هذا الحديث في «النهاية» عن أمير المؤمنين عليه السلام في مادّة قَرَصَ، وقال: إنّهُ قَضَى في القَارِصَةِ والقَامِصَةِ والوَاقِصَةِ بِالدِّيَةِ أثْلَاثاً؛ ثمّ بيّن القصّة على هذا النحو: هنّ ثلاث جوار كُنّ يلعبن فتراكَبْن. فَقَرَصت السفلى الوسطى، فقَمصت، فسقطت العليا، فَوَقِصت عنقها. فجعل ثُلُثَي الدية على الثنتين، وأسقط ثلث العليا، لأنّها أعانت على نفسها.
ثمّ قال: جعل الزمخشريّ هذا الحديث مرفوعاً، وهو من كلام عليّ عليه السلام.[4]
ومراده حديث الزمخشريّ في «الفائق» إذ نقله مرسلًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).
وروى ابن بابويه، والشيخ الطوسيّ مضمون هذا الحديث عن محمّد بن أحمد بن يحيي، عن أبي عبد الله، عن محمّد بن عبد الله بن مهران، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ بن نُباتة قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في جارية ركبت جارية، فنخستها جارية اخرى، فقمصت المركوبة، فصرعت الراكبة، فماتت. فقضى بديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة.[5]
ومن الواضح أنّ الحكم في هذه الرواية يختلف عن الحكم السابق الذي ثلّث الإمام فيه الدية؛ ولكنّ هذه الرواية ضعيفة لوجود أبي جميلة، وهو المفضّل بن صالح، في سلسلة السند؛ وقد ضعّفه النجاشيّ؛ ونصّ ابن الغضائريّ على أنّه كان يضع الحديث.
وعلى هذا، فرواية المفيد مقدّمة مع إرسالها، وإن كان مصدرها من العامّة.
[1] «الإرشاد» ص 108، الطبعة الحجريّة؛ ونقلها المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 482. طبعة الكمبانيّ.
[2] قَرَصَ يَقْرُصُ قَرْصاً: أخذ لحم أحد ولوي عليه بإصبعه فآلمه. وقال في «لغت نامه دهخدا»(/ معجم دهخدا): القرص إيلام شخص بضغط قسم من لحمه بين الإبهام والسبّابة. وقمص يقمص قمصاً: وثب وقفز. ووقص يَقِصُ وقصاً: كَسَرَ عَنقه.
[3] «المناقب» ج 1، ص 487 و488، الطبعة الحجريّة.
[4] «النهاية في غريب الحديث والأثر» ج 3، ص 40.
[5] «من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 125، رقم 1 من باب نوادر الديات؛ و«تهذيب الأحكام» ج 10، ص 241، رقم 960 من باب الاشتراك في الجنايات.