قال الشيخ المفيد: جاء في الأخبار والآثار أنّ رجلين اختصما إلى النبيّ صلى الله عليه وآله في بقرة قتلت حماراً. فقال أحدهما: يَا رَسُول اللهِ! بقرة هذا الرجل قتلت حماري! فقال رسول الله: اذهبا إلى أبي بكر فاسألاه عن ذلك! فجاءا إلى أبي بكر، وقصّا عليه قصّتهما.
قال أبو بكر: كيف تركتما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وجئتماني؟!
قالا: هو أمرنا بذلك.
فقال لهما: بهيمة قتلت بهيمة لا شيء على ربّها. فعادا إلى رسول الله فأخبراه بذلك. فقال لهما: امضيا إلى عمر بن الخطّاب! فقصّا عليه قصّتكما! وسلاه القضاء في ذلك. فذهبا إليه وقصّا عليه قصّتهما فقال لهما:
كيف تركتما رسول الله صلى الله عليه وآله وجئتماني؟! فقالا له: إنّه أمرنا بذلك! فقال: كيف لم يأمر كما بالمسير إلى أبي بكر؟! قالا: إنّا قد امرنا بذلك وصرنا إليه! قال: فما الذي قال لكما في هذه القضيّة؟! قالا له: قال: كيت وكيت. قال: ما أرى إلّا ما رأى أبو بكر. فعادا إلى رسول الله، فأخبراه الخبر.
فقال صلى الله عليه وآله: اذهبا إلى عليّ بن أبي طالب ليقضي بينكما! فذهبا إليه فقصّا عليه قصّتهما. فقال عليه السلام: إنْ كَانَتِ البَقَرَةُ دَخَلَتْ عَلَى الحِمَارِ في مَأمِنَهِ فَعَلَى رَبِّهَا قِيمَةُ الحِمَارِ لِصَاحِبِه؛ وإن كَانَ الحِمَارُ دَخَلَ عَلَى البَقَرَةِ في مَأمَنِهَا فَقَتَلَتْهُ فَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبهَا.
فعادا إلى رسول الله، فأخبراه بقضيّته بينهما، فقال صلى الله عليه وآله: لَقَدْ قَضَى عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ اللهِ تعالى! ثمّ قال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ فِينَا أهْلَ البَيْتِ مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ في القَضَاءِ.[1]
ورواها الكلينيّ والشيخ عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبي الخزرج، عن مصعب بن سلام التميميّ، عن الإمام الصادق عليه السلام، عن الإمام الباقر عليه السلام. وورد في آخرها أنّ رسول الله رفع يده إلى السماء، وقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ مِنّي مَنْ يَقْضِى بِقَضَاءِ النّبِيِّينَ.[2]
ورواها أيضاً بسند آخر مع اختلاف يسير في اللفظ، وذلك بسنده المتّصل عن سعد بن طريف الإسكاف، عن الإمام الباقر عليه السلام.[3]
وذكرها ابن شهرآشوب عن مصعب بن سلام، عن الإمام الصادق عليه السلام بلفظ المفيد.[4]
ونقلها السيّد محسن الأمين العامليّ عن الشيخ المفيد، كما نقلها عن كتاب «عجائب الأحكام» لإبراهيم بن هاشم، عن النوفليّ، عن السكونيّ مرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله بلفظ الكلينيّ والشيخ في الحديث الأوّل.[5]
وذكرها أيضاً ابن حَجَر الهَيتَميّ، ومحمّد بن طلحة الشافعيّ بعد حذف اسم أبي بكر، وعمر، وجعل بعض الصحابة مكانهما، ونقلاها باللفظ الآتي: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) جالساً في المسجد مع جماعة من أصحابه، فجاء خصمان. فقال أحدهما: يَا رَسُول اللهِ! إنّ لي حماراً، وإنّ لهذا بقرة! وإنّ بقرته قتلت حماري! فبدأ رجل من الحاضرين فقال: لَا ضِمَانَ عَلَى البَهَائِمِ.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): اقض بينهما يا عليّ!
فقال عليّ لهما: أ كانا مرسلَين أم مشدودين؟ أم أحدهما مشدود والآخر مرسل. فقالا كان الحمار مشدوداً والبقرة مرسلة وصاحبها معها.
فقال: على صاحب البقرة ضمان الحمار. فحكم عليّ بن أبي طالب بلزوم الضمان لصاحب الحمار على صاحب البقرة بحضور النبيّ وأقرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حكمه وأمضى قضاءه.[6]
وقال محمّد بن طلحة بعد سرد هذا الحديث: وفي هذه الواقعة بخصوصها دلالة واضحة للناظرين، وحجّة راجحة عند المعتبرين أنّ عليّ بن أبي طالب لدى رسول الله مَكِين أمِين، حيث استقضاه بحضرته، وعنده أعيان من الصحابة ثمّ قرّر حكمه، وأنفذ قضاءه. وذلك على ما ذكرناه دليل متين. وفي متانة مكانته في العلم آيات للمتوسّمين طريق الحقيقة، والمتلمّسين معدن الفضيلة.
وجعل الفقهاء رضوان الله عليهم فتاواهم في باب ضمان الحيوانات على أساس هذا المبدأ العامّ، سواء جنى حيوان على إنسان أو بالعكس، أو جنى حيوان على حيوان.
وروى الكلينيّ والشيخ الطوسيّ عن عليّ بن إبراهيم بسند واحد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل دخل دار قوم بغير إذنهم، فعقره كلبهم قال: لا ضمان عليهم وإن دخل بإذنهم، ضمنوا.[7] ورويا مثلها بسند آخر عن الصادق عليه السلام.[8]
[1] «الإرشاد» ص 109، الطبعة الحجرية.
[2] «الكافي» الفروع، ج 7، ص 352، الحديث 6؛ و«التهذيب» ج 10، ص 229، الحديث 34.
[3] «فروع الكافي» ج 7، ص 352، الحديث 7؛ و«التهذيب» ج 10، ص 229، الحديث 35؛ وذكر البحرانيّ هذين الحديثين في «غاية المرام» ص 529 و530، رقم 1 و2 عن الخاصّة، عن الشيخ.
[4] «المناقب» ج 1، ص 488، الطبعة الحجريّة.
[5] «عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام» ص 42 إلي 44.
[6] «الصواعق المحرقة» ص 73؛ و«مطالب السؤول» ص 30.
[7] «فروع الكافي» ج 7، ص 353، الحديث 14 من باب ضمان ما يصيب الدوابّ وما لا ضمان فيه من ذلك؛ و«تهذيب الأحكام» ج 10، ص 228، الحديث 30.
[8] «فروع الكافي» ج 7، ص 351 الحديث الخامس؛ و«تهذيب الأحكام» ج 10، ص 228، الحديث 32؛ وكذلك روى الكلينيّ والشيخ بسند متّصل عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبيد الله الحلبيّ، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام إلى اليمن. فأفلت فرس لرجل من أهل اليمن، ومرّ يعدو، فمرّ برجل فنفحه برجله، فقتله، فجاء أولياء المقتول إلى الرجل، فأخذوه، ورفعوه إلى عليّ عليه السلام. فأقام صاحب الفرس البيّنة عند عليّ عليه السلام أنّ فرسه أفلت من داره، ونفح الرجل. فأبطل عليّ عليه السلام دم صاحبهم، فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله! إنّ عليّاً ظلمنا، وأبطل صاحبنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ عليّاً عليه السلام لَيْسَ بِظَلّامٍ، ولم يخلق للظُّلم. إنّ الولاية لعليّ عليه السلام من بعدي، والحكم حكمه والقول قوله، ولا يردّ ولايته وقوله وحكمه إلّا كافر ولا يرضى ولايته وقوله وحكمه إلّا مؤمن. فلمّا سمع اليمانيّون قول رسول الله صلى الله عليه وآله في عليّ عليه السلام قالوا: يا رسول الله! رضينا بحكم عليّ عليه السلام وقوله: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: هو توبتكم ممّا قلتم. (فروع الكافي( ج 7، ص 352 و353، الحديث الثامن؛ و«تهذيب الأحكام» ج 10، ص 228 و229، الحديث الثالث والثلاثون).