روى الكلينيّ والشيخ بسندهما المتّصل عن عاصم بن حمزة السلوليّ قال: سمعت غلاماً بالمدينة وهو يقول: يَا أحْكَمَ الحَاكِمِينَ! احكم بيني وبين امّي! فقال له عمر بن الخطّاب: يا غلام! لِمَ تدعو على امّك؟! فقال: يا أمير المؤمنين إنّها حملتني في بطنها تسعة أشعر، وأرضعتني حولين، فلمّا ترعرعتُ، وعرفتُ الخير من الشر، ويميني من شمالى، طردتني وانتفت منّي، وزعمت أنّها لا تعرفني! فقال عمر: أين تكون الوالدة؟! قال: في سقيفة بني فلان! فقال عمر: عَلَيّ بَامّ الغلام! قال: فأتوا بها مع أربعة إخوة لها وأربعين قَسَامَة شاهد يشهدون لها أنّها لا تعرف الصبيّ، وأنّ هذا الغلام غلام مدّع ظلوم غشوم يريد أن يفضحها في عشيرتها؛ وأنّ هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ، وأنّها بخاتم ربّها باكر.
فقال عمر: يا غلام ما تقول؟! فقال: يا أمير المؤمنين! هذه والله امّي، حملتني في بطنها تسعة أشهر، وأرضعتني حولين؛ فلمّا ترعرعتُ، وعرفت الخير من الشرّ ويميني من شمالى طردتني وانتفت منّي، وزعمت أنّها لا تعرفني!
فقال عمر: يا هذه! ما يقول الغلام؟ فقالت: يا أمير المؤمنين! والذي احتجب بالنور، فلا عين تراه، وحقّ محمّد، وما وَلَدَ، ما أعرفه، ولا أدري من أي الناس هو، وإنّه غلام مدّع يريد أن يفضحني في عشيرتي! وإنّي جارية من قريش لم أتزوّج قطّ؛ وإنّي بخاتم ربّي! فقال لها عمر: أ لكِ شهود؟! فقالت: نعم؛ هؤلاء! فتقدّم الأربعون القَسَامة فشهدوا عند عمر أنّ الغلام مدّع يريد أن يفضحها في عشيرتها وأنّ هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ، وأنّها بخاتم ربّها! فقال عمر: خذوا هذا الغلام، وانطلقوا به إلى السجن! حتى نسأل عن الشهود؛ فإن عدّلت شهادتهم، جلدته حدّ المفتري حدّ من يفتري الزنا على امرأة، ويتّهمها بالفسق والفجور فأخذوا الغلام، وانطلقوا به إلى السجن، فتلقّاهم أمير المؤمنين عليه السلام في بعض الطريق. فنادى الغلام: يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله! إنّني غلام مظلوم، وأعاد عليه الكلام الذي كلّم به عمر، ثمّ قال: وهذا عمر، قد أمر بي إلى السجن! فقال عليّ عليه السلام: ردّوه إلى عمر! فلمّا ردّوه، قال لهم عمر: أمرت به إلى السجن فرددتموه إليّ! فقالوا: يا أمير المؤمنين! أمرنا عليّ بنُ أبي طالب عليه السلام أن نردّه إليك وسمعناك وأنت تقول: لا تعصوا لعليّ عليه السلام أمراً! فبينا هم كذلك إذ أقبل عليّ عليه السلام، فقال: عَلَيّ بِامّ الغلام! فأتوا بها.
فقال عليّ عليه السلام: يا غلام! ما تقول؟ فأعاد الكلام. فقال عليّ عليه السلام لعمر: أتأذن لي أن أقضي بينهم؟!
فقال عمر: سُبْحَانَ اللهِ وكيف لا؟ وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول: أعْلَمُكُمْ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ. ثمّ قال للمرأة: يا هذه! أ لكِ شهود؟! قالت: نعم. فتقدّم الأربعون قسامة، فشهدوا بالشهادة الاولى. فقال عليّ عليه السلام: لأقضينّ اليوم بقضيّة بينكما هي مرضاة الربّ من فوق عرشه. علّمنيها حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).
ثمّ قال لها: ألكِ وليّ؟ قالت: نعم! هؤلاء إخوتي. فقال لإخوتها: أمري فيكم وفي اختكم جائز؟! فقالوا: نعم يا بن عمّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، أمرك فينا وفي اختنا جائز. فقال عليّ عليه السلام: اشهد الله واشهد من حضر من المسلمين أنّي قد زوّجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم والنقد من مالى. يا قنبر! عَلَيّ بالدراهم. فأتاه قنبر غلامه بها فصبّها في يد الغلام. قال: خذها فصبّها في حجر امرأتك ولا تأتنا إلّا وبك أثر العرس؛ يعني الغسل!
فقام الغلام، فصبّ الدراهم في حجر المرأة، ثمّ تلبّبها جمع ثيابها عند صدرها وجرّها فقال لها: قومي! فنادت المرأة: النّارَ النّارَ يا بنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ تريد أن تزوّجني من ولدي هذا؟! والله ولدي؛ زوّجني إخوتي هجيناً فولدت منه هذا الغلام؛ فلمّا ترعرع وشبَّ، أمروني أن أنتفي منه وأطرده! وهذا والله ولدي وفؤادي يتقلّى أسفاً على ولدي.
قال عاصم بن حمزة راوي هذا الحديث: ثمّ أخذت بِيَدِ الغلام، وانطلقت؛ ونادى عمر: وَا عُمَرَاه؛ لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.[1]
ونقل ابن شهرآشوب هذا الحديث عن «الحدائق» لأبي تراب الخطيب، و«الكافي»، و«تهذيب الأحكام» وذكر في آخره ستّة أبيات لابن حمّاد في هذا الموضوع.[2]
ورواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن كتاب «الروضة»، وكتاب «الفضائل» لابن شاذان، عن الواقديّ، عن سلمان مع اختلاف في متنه.[3] ورواه السيّد محسن الأمين العامليّ في كتاب «أحكام أمير المؤمنين عليه السلام» عن كتاب «عجائب الأحكام» لإبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عُمَيْر، عن عُمَر بن يزيد، عن أبي المُعلى، عن الإمام الصادق عليه السلام بنفس المضمون والمفاد الوارد في رواية الكلينيّ. وقال بعد نقل رواية ابن شهرآشوب في مناقبه: ذكر ابن القيّم الجوزيّ هذه القصّة في كتاب «السياسة الشرعيّة».[4] وذكرها العلّامة الأمينيّ أيضاً عن ابن القيّم الجوزيّ في كتاب «الطرق الحُكميّة» ص45.[5]
[1] «فروع الكافي» ج 7، ص 423 و424، الطبعة الحديثة، مطبعة الحيدريّ؛ و«التهذيب» ج 6، ص 304 إلى 306، طبعة النجف.
[2] «المناقب» ج 1، ص 493 و494، الطبعة الحجريّة. وفيما يأتي أبيات ابن حمّاد:
قال الإمام فولّيني ولاك لكي *** اقرّر الحكم قالت أنت تملكني
فقال: قومي لقد زوّجته بك قم *** فادخل بزوجك يا هذا ولا تشنِ
فحين شدّ عليها كفّه هتفت *** أ تستحلّ ترى بابني تزوّجني
إنّي من أشرف قومي نسبة وأبو *** هذا الغلام مهين في العشير دني
فكنت زوّجْتُه سرّاً فأولدني *** هذا ومات وأمري فيه لم يبنِ
فظلتُ أكتمه أهلي ولو علموا *** لكان كلّ امرئ منهم يعيّرني
[3] «بحار الأنوار» ج 9، ص 487 و488 طبعة الكمبانيّ، في باب قضاياه وما هدي قومه إليه ممّا أشكل عليه من مصالحهم.
[4] «عجائب أحكام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام» ص 57 إلي 61.
[5] «الغدير» ج 6، ص 104 و105 ضمن «نوادر الأثر في علم عمر»، رقم 11. وفيها: عرضت المرأة قصّتها كالآتي: أنّ أبا هذا الغلام كان زنجيّاً، وأنّ إخوتي زوّجوني منه، فحملت بهذا الغلام وخرج الرجل غازياً فقتل، وبُعثت بهذا إلي حيّ بني فلان، فنشأ فيهم، ونفيت أن يكون ابني بأمر إخوتي.