نقرأ في سورة الروم معجزة من معجزات رسول الله، وهي إخباره بانهزام الفُرس على يد الروم: الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ.... [1]
وعن «الخرائج والجرائح» للقطب الراونديّ روى محمّد بن الفضل الهاشميّ، عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه نظر إلى ابن هذّاب فقال: إن أنا أخبرتك أنّك ستُبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك، لكنت مصدّقاً لي؟ قال: لا، فإنّ الغيب لا يعلمه إلّا الله تعالى. قال الإمام: أ وليس أنّه يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ. فرسول الله صلى الله عليه وآله عند الله مرتضى. ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه. فعلمنا ما كان ويكون إلى يوم القيامة.[2]
والأخبار الواردة في هذا الموضوع تفوق حدّ الإحصاء. ومفادها ومدلولها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ علم الغيب بوحي من ربّه، وأنّ الأئمّة الطاهرين عليهم السلام أخذوه بالوراثة منه صلى الله عليه وآله. وأنّ العلوم الغيبيّة المأثورة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والواردة في كتب الأحاديث، والتواريخ، والتفاسير. والسِّيَر، والسنن، والتي اعترف بها الخاصّة والعامّة، وعدّوها من المسلّمات اليقينيّة كثيرة. ولمّا كانت هذه كلّها تفوق العدّ، نكتفي فيما يأتي بمختصر منها: ذكر في «مروج الذهب» في وقائع سنة 183 ه: حجّ هارون الرشيد في هذه السنة، وهي آخر حجّة حجّها. ولمّا انصرف منها، واجتاز بالكوفة، قال أبو بكر بن عيّاش -و كان من علية أهل العلم-: لا يعود إلى هذا الطريق، ولا خليفة من بني العبّاس بعده أبداً.
فقيل له: أضرب من الغيب؟ قال: نعم. قيل: بوحي؟! قال: نعم. قيل: إليك؟ قال: لا، إلى محمّد صلى الله عليه وآله. وكذلك أخبر عنه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام المقتول في هذا الموضع وأشار إلى الموضع الذي قتل فيه على عليه السلام بالكوفة.[3]
إن صاحب كتاب «مروج الذهب» هو عليّ بن الحسين المسعوديّ المتوفّى سنة 346 ه-. صنّف كتابه المذكور في حدود سنة 300 ه. أي: ثلاثمائة وخمسون سنة قبل انقراض الدولة العبّاسيّة على يد هولاكو، وقتل المستعصم بالله الذي كان آخر حاكم عبّاسيّ. وذكر أبو بكر بن عيّاش هذا الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام سنة 182 ه، في أواخر القرن الثاني الهجريّ. أي 468 سنة قبل تقويض حكومتهم والعجيب هنا أنّه خلال هذه المدّة التي تناهز خمسة قرون لم يذهب حاكم عبّاسيّ إلى حجّ بيت الله الحرام.
[1] الآيات 1 إلى 4، من السورة 30: الروم. ذكر الشيخ المفيد في «الإرشاد» ص 173، الطبعة الحجريّة، حوادث غيبيّة اخرى أخبر بها رسول الله على لسان القرآن الكريم مضافاً إلى حادثة انهزام الروم في الآية: الم ، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ. منها ما يتعلّق بأهل بدر قبل الواقعة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ (الآية 45، من السورة 54: القمر). فكان الأمر كما قال الله تعالى من غير اختلاف في ذلك. وقال عزّ وجلّ (الآية 27، من السورة 48: الفتح): لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ. .. فكان الأمر في ذلك كما قال الله تعالى. وقال سبحانه (الآيتان 1 و2، من السورة 110: النصر) إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ، ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً، فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى، وقال سبحانه: ويَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ (الآية 8، من السورة 58: المجادلة). فخبّر عن ضمائرهم وما أخفوه من سرائرهم. وقال جلّ ذكره في قصّة اليهود: (الآيتان 5 و6، من السورة 62: الجمعة): قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. فكان الأمر كما قال الله تعالى ولم يجسر أحد منهم أن يتمنّاه. فحقّق ذلك خبره وأبان عن صدقه. ودلّ به على نبوّته في أمثال ذلك ممّا يطول به الكتاب.
أقول: من الموارد التي أسند القرآن الكريم إخبار النبيّ وسائر الأنبياء فيها إلى الغيب صراحة (الآية 179، من السورة 3: آل عمران): وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ولكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ. و(الآية 49، من السورة 11: هود): تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ ولا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. بيّن الله تعالى هذه الآية بعد سرد قصّة نوح والطوفان وغرق المتمرّدين. ومنها (الآية 102، من السورة 12: يوسف): ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وهُمْ يَمْكُرُونَ. هذه الآية من الآيات الأخيرة في سورة يوسف ذُكرت بعد بيان قصّة يوسف وإلقائه في غيابت الجُبِّ، وبيعه في سوق مصر، ثمّ حكومته على مصر وجمع شمله مع أبيه يعقوب. ومنها (الآية 44، من السورة 3: آل عمران): ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. جاءت هذه الآية بعد بيان ولادة السيّدة مريم، ودعاء زكريّا بالولد في كبره. ومنها (الآية 3، من السورة 66: التحريم): وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. نزلت هذه الآية في حفصة بنت عمر بن الخطّاب، وهي من آيات سورة التحريم النازلة في عائشة وحفصة. ومنها (الآية 27، من السورة 48: الفتح): لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. ومنها (الآية 85، من السورة 28: القصص): إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ. ومنها مواطن أخبر فيها النبيّ الأكرم بالغيب في مقام التحدّي وإعجاز القرآن بأن يأتي كلّ من يستطيع بسورة أو عشر سور مثله، ولم يأت أحد بذلك. منها (الآية 38، من السورة 10: يونس): فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. و(الآية 13، من السورة 11: هود): فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ. ومنها مواضع جاء فيها الوعد بالفتوحات والغنائم الكثيرة، ك- (الآية 20، من السورة 48: الفتح): وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها. ومنها إخباره تعالى أنّه يحفظ نبيّه من أذى المنافقين، ك- (الآية 67، من السورة 5: المائدة): واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. و(الآية 42، من السورة 5: المائدة): وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً. ومنها إخباره بكفر أبي لهب وكونه في جهنّم في (الآية 3، من السورة 111: المسد): سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ. ومنها إخباره تعالى بحفظ نبيّه من أذى مشركي العرب عند ما كانوا يعذّبون المسلمين في رمضاء الحجاز، ك- (الآيتين 94 و95، من السورة 15: الحجر): فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. وبعض الموارد الاخرى الواردة في سورة الفتح، كقوله: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ - سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ - فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا. وجاء في كتاب «راه سعادت” (/ طريق السعادة) لآية الله الفقيد الميرزا أبى الحسن الشعرانيّ رضوان الله عليه، وهو من الكتب المفيدة، ستّة وعشرون خبراً غيبيّاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله، من ص 49 إلى 74.
[2] «الميزان في تفسير القرآن» ج 20، ص 135.
[3] «مروج الذهب» ج 3، ص 353 و354، طبعة مصر، مطبعة السعادة، سنة 1367.