نقرأ في «نهج البلاغة» خطبة للإمام عليه السلام فيها إخبار بِمُغَيَّبات كثيرة. يقول عليه السلام: أمَّا بَعْدُ، أيُّهَا النَّاسُ! فَأنَا فَقَأتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ، ولَمْ تَكُنْ لِيَجْرُأ عَلَيْهَا أحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، واشْتَدَّ كَلَبُهَا. فَاسْألُوني قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي؟ فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْألُونِي عَنْ شَيءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وبَيْنَ السَّاعَةِ، ولَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وتُضِلُّ مِائَةً إلَّا أنْبَأتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وقَائِدِهَا[1] وسَائِقِهَا ومُنَاخِ رِكَابِهَا ومَحَطِّ رِحَالِهَا؛ ومَنْ يُقْتَلُ مِنْ أهْلِهَا قَتْلًا، ويَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً.
وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمونِي ونَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الامُورِ، وحَوازِبُ الخُطُوبِ، لأطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ المَسْؤولِينَ. وذَلِكَ إذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضَيْقاً تَسْتطِيلُونَ مَعَهُ أيَّامَ البَلَاءِ عَلَيْكُمْ حتى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّةِ الأبْرارِ مِنْكُمْ. إنَّ الفِتَنَ إذَا أقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وإذَا أدْبَرَتْ نَبَّهَتْ. يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ ويُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ، يَحُمْنَ حَوْلَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً ويُخْطِئْنَ بَلَداً.
ألَا إنَّ أخوَفَ الفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي امَيَّةَ، فَإنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وأصَابَ البَلَاءُ مَنْ أبْصَرَ فِيهَا، وأخْطَأ البَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا. وأيْمُ اللهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي امَيَّةَ لَكُمْ أرْبَابَ سُوءٍ كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وتَخْبِطُ بِيَدِهَا وتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وتَمْنَعُ دَرَّهَا. لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حتى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إلَّا نَافِعاً لَهُمْ أوْ غَيْرَ ضَائِر بِهِمْ. ولَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ حتى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أحَدِكُمْ مِنْهُمْ إلَّا كانْتِصَارِ العَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، والصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ. تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً وقِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدَى، ولَا عَلَمٌ يُرَى.
نَحْنُ أهْلُ البَيْتِ[2] مِنْهَا بِمَنْجَاهٍ ولَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ. ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً، ويَسُوقُهُمْ عُنْفاً، ويَسْقِيهِمْ بِكَأسٍ مُصَبَّرَةٍ، لَا يُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ ولَا يُحْلِسُهُمْ إلَّا الخَوْفَ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا ومَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَني مَقَاماً وَاحِداً ولَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أطْلُبُ اليَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِي.[3]
قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة: إنّما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ولَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أحَدٌ غَيْرِي، لأنّ الناس كلّهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة، ولا يعلمون كيف يقاتلونهم؟ هل يتبعون مولِّيهم أم لا؟ وهل يجهزون على جريحهم أم لا؟ وهل يقسمون فيئهم أم لا؟ وكانوا يستعظمون قتال من يؤذّن كأذاننا، ويصلّي كصلاتنا، واستعظموا أيضاً حرب عائشة وحرب طلحة والزبير لمكانهم في الإسلام، وتوقّف جماعتهم عن الدخول في تلك الحرب، كالأحنف بن قيس، وغيره. فلو لا أنّ عليّاً اجترأ على سلّ السيف فيها ما أقدم أحدٌ عليها.
ثمّ قال عليه السلام: سَلُوني قَبْلَ أنْ تَفْقِدُوني. روى صاحب كتاب «الاستيعاب» وهو أبو عمر محمّد بن عبد البرّ عن جماعة من الرواة والمحدّثين، قالوا: لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: «سَلُوني» إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.
وروى شيخنا أبو جعفر الإسكافيّ في كتاب «نقض العثمانيّة» عن عليّ بن الجعد، عن ابن شُبْرمة، قال: لَيْسَ لأحَدٍ مِنَ النَّاسِ أنْ يَقُولَ عَلَى المِنْبَرِ: «سَلُوني» إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثمّ فتح ابن أبي الحديد فصلًا في امور غيبيّة أخبر بها الإمام عليه السلام، فقال ما نصّه: اعلم أنّ عليّاً عليه السلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده، إنّهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلّا أخبرهم به. وإنّه ما صحّ من طائفة من الناس يهتدي بها مائة وتضلّ بها مائة، إلّا وهو مخبر لهم -إن سألوه- برعاتها، وقائدها، وسائقها، ومواضع نزول ركابها وخيولها، ومن يُقتَلُ منها قتلًا، ومن يموت منها موتاً.
وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادّعاء الربوبيّة، ولا ادّعاء النبوّة؛ ولكنّه كان يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك.
[1] روى السيّد ابن طاووس هذه الخطبة الشريفة إلى هذه الكلمة في «الملاحم والفتن» ص 16، عن أبي هارون الكوفيّ، عن عمرو بن قيس الهلاليّ، عن المنهال، عن ابن عمرو، عن زرّ بن حبيش أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال هكذا.
[2] إنّ معنى قوله عليه السلام: «نحن أهل البيت منها بمنجاة» هو أنّنا لا نتلوّث روحاً، ويبقى ديننا فيها سليماً، كما أنّ قوله: ولسنا فيها بدُعاة جملة تفسيريّة، وإلّا فإنّ ما نزل بأهل البيت من بلايا ومصائب مادّيّة وبدنيّة كالقتل والصلب والسبي والتعذيب والحبس ونهب الأموال وتضييع الحقوق قد بلغ ما بلغ حتى ملأ صفحات التأريخ. وهل استشهاد سيّد الشهداء وأولاده وهتك حريمه ونهب أمواله، وكذلك استشهاد الإمام الحسن المجتبى، وزيد بن عليّ بن الحسين، ويحيى بن زيد، وغيرهم إلّا جنايات الأمويّين أنفسهم؟
[3] «نهج البلاغة» الخطبة 91، طبعة مصر، مطبعة عيسى البابي الحلبيّ، وتعليقة الشيخ محمّد عبده، ج 1، ص 182 إلى 184؛ وفي نسخة ابن أبي الحديد: لِيَجْتَرِئ عَلَيْهَا مكان لِيَجْرُأ عَلَيْهَا. وهذه أوّل خطبة نقلها إبراهيم بن محمّد الثقفيّ في غاراته، ص 1 إلى 13 بألفاظ أكثر. ورواها بسندين عن زرّ بن حُبَيْش؛ ورواها المجلسيّ عنه في «بحار الأنوار» باب قتال الخوارج واحتجاجاته، ج 8، ص 605 و606 طبعة الكمبانيّ.
و روى ابن أبي الحديد في شرحه، طبعة دار الإحياء بمصر، ج 2، ص 286 عن ابن هلال الثقفيّ في كتاب «الغارات»، عن زكريّا بن يحيى العطّار، عن فضيل، عن محمّد بن عليّ أنّه قال: لمّا قال أمير المؤمنين عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تُضلّ مائةً وتهدي مائةً إلَّا أنبأتُكم بناعقها وسائقها، قام إليه رجل فقال: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر. فقال له عليّ عليه السلام: والله لقد حدّثني خليلي رسول الله أنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملكاً يلعنك، وأنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يغويك، وأنّ في بيتك سخلًا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله- وكان ابنه قاتل الحسين عليه السلام يومئذٍ طفلًا يحبو، وهو سنان بن أنس النخعيّ- وذكر الشيخ المفيد هذه الرواية بهذا السند في «الإرشاد» ص 182 و183، الطبعة الحجريّة، إلّا أنّ فيها إضافة، وهي قوله: لو لم يكن برهان سؤالك عسيراً، لأخبرتك بشعر رأسك ولحيتك. وآية صدق كلامي أنّ في بيتك طفلًا يقتل ابن رسول الله. ولم يذكر اسم القاتل في هذه الرواية أيضاً.