خرجت مصر من أزمة التنظيمات العثمانية، وقد أفلحت في صيانة «الوضع» الذي نالته في تسوية 1840-1841م. لقد كانت أزمة التنظيمات من هذه الناحية أول محاولة خطيرة قامت بها تركيا منذ انتهاء الأزمة العثمانية المصرية (1839-1840م) في عهد محمد علي لإرجاع مصر إلى حظيرة الدولة كباشوية أو ولاية بسيطة من ولايات الإمبراطورية العثمانية العادية، وذلك بإلغاء الامتيازات التي حصلت عليها مصر في فرمانات 1841م، وأهم هذه الامتيازات: الحكم الوراثي، والحكومة الذاتية أو الاستقلال الداخلي. والحقيقة أن أزمة التنظيمات العثمانية لم تلبث أن وضعت موضع الاختبار تلك التسوية التي وُضعت للمسألة المصرية (1840-1841م) والتي نهض الدليل الآن على ضعفها وشذوذها، وقد كان فرض الوصاية الدولية على مصر من أهم مظاهر هذا الضعف والشذوذ، حيث كان متعذرًا — على نحو ما سبق ذكره — إجراء أي تعديل أو تغيير في «التسوية» من غير موافقة الدول.
وقد رأينا في هذه الأزمة كيف تدخلت الدول إما لتأييد الباب العالي ضد عباس، وإما لتأييد هذا الأخير والتوسط في صالحه لدى الباب العالي. وكان بفضل اعتماد عباس على مساعدة إنجلترا له أن استطاع اجتياز الأزمة؛ ولكن في نظير أن يقوى النفوذ الإنجليزي بعد ذلك بدرجة صارت الدول تخشى معها أن يمهد ذلك لاحتلال الإنجليز للبلاد في النهاية، وحتى إن عباسًا نفسه صار لا يرتاح لازدياد هذا النفوذ الإنجليزي.
وإلى جانب صون «الوضع» في مصر، وازدياد النفوذ الإنجليزي، كان هناك أثر ثالث لأزمة التنظيمات العثمانية؛ هو أن العلاقات ما لبثت أن تحسنت بين الباب العالي وعباس، ونهج الأخير بعد هذه الحوادث خطة توثيق علاقاته بتركيا، وزادت علاقاته توثقًا بتركيا عندما تأزمت الأمور بين تركيا وروسيا، وأعلنت الدولة الحرب على روسيا في أكتوبر 1853م، وقامت الحرب المعروفة باسم حرب القرم. وكان عباس منذ أن هدد شبحُ الحرب الدولة قبل هذا التاريخ، وطلب إليه السلطان عبد المجيد إرسال جند مصريين إلى تركيا، قد أمر في يونيو 1853م بإرسال ما يتم تجهيزه من هذه النجدات تباعًا؛ فبادر بإرسال القوات البرية والبحرية والذخائر والأموال إلى الدولة.
هذه الآثار الثلاثة المحددة: نجاح عباس في صون «الوضع» الذي كان للباشوية، وازدياد النفوذ الإنجليزي، ورغبة عباس في توثيق صلاته بتركيا، كانت العوامل التي شكلت سياسة عباس الأول في الفترة الباقية من حكمه، من أبريل 1852م إلى يوليو 1854م.
وأما هذه السياسة فكانت تقوم على أساس واحد: تقوية مسند الباشوية، وذلك بطريقين؛ أولهما: تغيير نظام الوراثة من النظام الذي رسمته الفرمانات، واستبدال نظام الوراثة المباشرة أو الصُّلبية به. وثانيهما: توسيع سلطاته الداخلية أو استقلاله الداخلي. ويسير جنبًا إلى جنب مع هذا البرنامج، ويظل لازمًا له استمرار مصر نفسها في حوزته بتأمين بقائها في نطاق الإمبراطورية العثمانية.
وكان الخوف من الأخطار التي قد تتعرض لها مصر بسبب حرب القرم خصوصًا، وانهيار الإمبراطورية العثمانية المنتظر، واقتسام الدول أملاك رجل أوروبا المريض (أي تركيا) فيما بينها، واستيلاء الإنجليز على مصر نفسها، وهو الخوف الذي أثاره اشتباك الدولة في حرب القرم؛ كان مبعث تمسك عباس بضرورة بقاء الدولة العثمانية ومنع انهيارها؛ الأمر الذي حمله على الإسراع بنجدتها. شرح هذه الحقيقة القنصل الأمريكي «إدوين دي ليون» (Edwin de Leon) عندما كتب إلى حكومته في 18 أبريل 1854م ما معناه «أن الإنجليز يمنون أنفسهم بأن الحرب سوف تمهد لهم السبيل لاحتلال البلاد «مصر» … ومن المتوقع لذلك عند أول فرصة تسنح أن تجتمع في مصر فرقة من الجنود الإنجليز من الهند لحماية البلاد، وكل ما يجب على إنجلترا أن تفعله (لتحقيق هذا) هو أن تحصل من فرنسا على موافقتها، وهذا ممكن لأن فرنسا سوف ترضى بأخذ سوريا في نظير ذلك.»
وأما مسعاه من أجل تغيير نظام الوراثة، فقد أراد عباس أن يخلفه ابنه إبراهيم إلهامي باشا بدلًا من عمه محمد سعيد (الأرشد في الأسرة من بعده) على أن تنحصر الوراثة في الأكبر من أبناء إلهامي ومن أبناء أبنائه؛ أي وراثة صُلبية مباشرة. وطلب عباس تعضيد إنجلترا له في هذا المسعى. واعتمد على ما هنالك من منافسة على النفوذ الأعلى في مصر بين إنجلترا وفرنسا في أن إنجلترا سوف تقبل على مؤازرته، ولكن كل ما ظفر به كان بلاغ الحكومة الإنجليزية لقنصلها الجديد في مصر «بروس» (Bruce) أنها مستعدة لمعاونة عباس «في كافة أغراضه المشروعة».
وكان من الوسائل التي اعتمد عليها عباس في نيل مأربه أن يهيئ لابنه إبراهيم إلهامي باشا أسباب القوة في داخل البلاد ذاتها، وفي دوائر الباب العالي، وذلك بإقطاعه الأراضي الشاسعة، وجمع ثروة طائلة له ولنفسه معًا، ثم تزويجه (أي إبراهيم إلهامي) من كريمة السلطان عبد المجيد؛ وكان عباس يرجو بفضل هذا الزواج (وقد تمت الخطبة على منيرة هانم وأعلنها السلطان رسميًّا في فبراير 1854م) أن يتمكن من إقناع الباب العالي بتغيير نظام الوراثة، ويدخل في خطة استمالة الباب العالي لتغيير نظام الوراثة وتوسيع حقوق الباشوية الداخلية، إقبال عباس على إرسال الأموال والنجدات إلى الدولة في أثناء حربها مع روسيا (حرب القرم).
وقد تحدث القنصل الإنجليزي «بروس» عن مشروعات عباس عمومًا في رسالته إلى حكومته في 13 أغسطس 1854م؛ أي بعد وفاة عباس بشهر واحد فقط، فقال عنه: «إنه كان يرى في مشاكل تركيا الحالية خير فرصة للضغط عليها من أجل تنفيذ مآربه. ثم إنه لم يكن يريد بتاتًا أن يرى تركيا متمتعة بأية حيوية أو نشاط ذاتي. بل كان من دأبه الحط في كل مناسبة من شأن قواتها الحربية، حقيقة لم يكن عباس يريد امتداد نفوذ روسيا حتى يصل إلى القسطنطينية، ولكن كان يهمه كثيرًا أن يأتي إنقاذ تركيا ونجاتها على أيدي الدول المتحالفة «في الحرب؛ أي إنجلترا وفرنسا»، وأن يتضح لأوروبا أن تركيا ليس في مقدورها أن تستمر حاجزًا منيعًا ضد روسيا، أو أن تبقى ركنًا متينًا لقيام قوة إسلامية منتعشة.»
ولكن عباسًا لم يلبث أن توفي فجأة بقصره في بنها في الساعات الأولى من يوم 13 يوليو 1854م، فلم يشهد شيئًا يتحقق من مشروعاته هذه جميعها، كانت وفاته طبيعية على أثر نوبة من الصرع، وكان مريضًا بهذا الداء في سنواته الأخيرة، وذلك بعد أن أمضى الليل في مباحثات مع وزير خارجيته محمود بك بشأن رحلة ولده إلهامي، الذي كان قد غادر البلاد ووصل وقتئذٍ إلى مالطة، في طريقه إلى أوروبا؛ وقرر الطبيبان الإيطاليان اللذان استدعيا لفحص جثمانه عقب الوفاة مباشرة، أن الوفاة حدثت بسبب نوبة صرع، ونقل هذه الأخبار القنصل الإنجليزي «بروس» في القاهرة إلى حكومته في 17 يوليو 1854م، وضمن رسالته هذه أيضًا الإشاعات التي راجت حول وفاة عباس، والتي قالت إنه مات مقتولًا بأيدي غلمانه أو مماليكه، وبعد أن تأكد لدى «بروس» بصورة قاطعة كذب هذه الشائعات عن وفاة عباس، كتب إلى حكومته ثانية في 13 أغسطس 1854م يكذبها تكذيبًا قاطعًا، ويعزو ترويجها إلى أنصار عباس الذين كانوا يريدون حرمان محمد سعيد من الولاية بفضل اتهامه بأنه المحرض على قتل ابن أخيه، والذين يريدون استقدام إلهامي على عجل لتنصيبه واليًا. وكان «بروس» نفسه قد ذكر تفاصيل هذه المحاولة في رسالة 17 يوليو. وهي المحاولة التي كان من أسباب إخفاقها إصرار الممثل الإنجليزي «بروس» بحضور الممثل الفرنسي (وكان القنصل الفرنسي بالقاهرة «دي لابورت» (de La Porte)) على أن تكون الولاية من نصيب محمد سعيد باشا، الذي من حقه اعتلاء أريكتها بحكم نظام الوراثة المعمول به حسب الفرمانات السلطانية.