تمهيد
نزل المصريون على قرار الدول «والباب العالي» بخلع الخديوي إسماعيل يحدوهم الأمل بسبب الوعود الكثيرة التي بُذلت لإدخال الإصلاحات المالية والاجتماعية والسياسية الواسعة، في أن عهدًا جديدًا سوف يبدأ، وتضافرت عدة عوامل على خلق هذا الأمل، منها صفات العفة والاستقامة والاقتصاد والورع (الصفات التي تحلى بها محمد توفيق وكانت تحببه إلى الرعية، وللميول الطيبة التي أظهرها أيام أبيه نحو «المصلحين»)، فقد اتصل وقتذاك بالسيد جمال الدين الأفغاني، وراح يمنيه هو وأتباعه بالوعود الجميلة، ويعده بالإصلاح ساعة أن يعتلي أريكة الولاية «الخديوية».
ومن هذه العوامل الاعتقاد بأن الأزمة المالية سائرة في طريق التسوية؛ لأن الخديوي الجديد لم يلبث أن أصدر مرسومين في 4، 15 سبتمبر 1879م بإعادة تأسيس «المراقبة الثنائية» على أساس القرار الصادر في 18 نوفمبر 1876م، وقبلت فرنسا وإنجلترا الآن إعادة المراقبة الثنائية؛ ولو أنهما اشترطتا ألَّا يُعزل أحد من المراقبين: الإنجليزي. وكان «إيفلين بارنج»، والفرنسي وكان «دي بلنيير» إلا بعد موافقة حكومتيهما على ذلك؛ ولأن الخديوي وقَّعَ على «قانون التصفية» في 19 يوليو 1880م، لتسوية الديون، وقد قُسِّمت هذه بمقتضاه إلى: ممتازة وموحدة، وقروض قصيرة الأجل، ودين الدائرة، والدين السائر، ثم أُلغيت المقابلة في نظير دفع مبلغ 150000 جنيه إنجليزي سنويًّا لمدة خمسين سنة.
وقال الشيخ محمد عبده تعليقًا على «قانون التصفية»:
كان يوم أُمضي هذا القانون من الأيام المعروفة في تاريخ مصر، وقد احتفل له في الإسكندرية جماهير من أهالي القطر المصري، وعدَّ الناس ذلك اليوم من الأعياد الوطنية في ذلك الوقت، وقالوا إنه فاتحة الطمأنينة، وضمان من الاضطراب الذي كان يُخشى منه. وفي الحقيقة كان هذا القانون فاصلًا بين ماضٍ قلق مشوش كان يتعسر السير فيه، وبين مستقبل واضح معروف (كما تمنى الجناب الخديوي وصَرَّحَ مرارًا من أنه يريد فصلًا بين الماضي والمستقبل). وأهم ما غنمته الحكومة منه رضاء أوروبا عن الحالة التي قرَّرها «القانون»، واطمئنان الأهالي والجناب العالي على مسند الخديوية وانقطاع المخاوف التي كانت المشاكل المالية تثيرها في الأوهام عندما يخطر بالبال حادثة فصل إسماعيل باشا، وبتلك الطمأنينة كان الفرح لها كالاحتفال.
ولكن سرعان ما خابت الآمال عندما اتضح أن الأجانب صاروا متسلطين على الحكومة؛ لأن الاشتراط بعدم عزل أحد المراقبين في المراقبة الثنائية إلا بعد موافقة حكومته، جعل هذه المراقبة تخرج من مراقبة مالية إلى أخرى سياسية صريحة؛ حيث قد ترتب على حرمان الحكومة المصرية حق الاستغناء عن المراقبين في أي وقت شاءت، أن صار هناك تدخل دائم من جانب الحكومتين الإنجليزية والفرنسية في الشئون المصرية، بصورة جعلت البلاد بمثابة «محمية» من المحميات؛ أي إن المراقبة تحولت الآن إلى «أداة» تفرض «حماية» إنجليزية-فرنسية على مصر.
وتأكد لدى الوطنيين أن حكومة رياض باشا التي تألَّفت في 21 سبتمبر 1879م (وكانت الوزارة الوطنية أو الشريفية استقالت عقب ولاية توفيق، وألَّف محمد شريف وزارة جديدة في 3 يوليو 1879م لم تلبث أن استقالت أيضًا، وألَّف الخديوي محمد توفيق وزارة برياسته هو نفسه في 28 أغسطس لم تمكث إلا أقل من شهر جاءت بعدها وزارة رياض باشا هذه)؛ نقول إنه تأكد لدى الوطنيين أن حكومة رياض باشا قد قبلت هذه «الحماية» عندما شاهدوا رئيس الوزارة يتعاون تعاونًا وثيقًا مع «المراقبة» التي لم تكن تهتم بمصالح الأهلين.
ثم تجمعت أسباب أخرى لزيادة السخط على حكومة رياض؛ فقد ألغى رياض «السخرة» وأساء إلغاؤها الأعيان وسبب كراهيتهم له ولحكومته، كما حنقوا عليه بسبب إجراءاته الأخرى كزيادة أموال الأطيان العشورية. ثم إن أصحاب الأرض «الأعيان» كرهوا المراقبة عندما ألغى قانون التصفية المقابلة دون أن يعوضهم في تقديرهم التعويض الكافي عن إلغائها؛ فانتشر التذمر ضد «العهد الجديد» وكره الشعب «نظامًا» اعتبره امتدادًا للظلم الذي تحمله لصالح الأجانب؛ وسار المصريون بخطى سريعة في طريق الثورة ضد حكومة الخديوي الضعيفة المستسلمة للنفوذ الأجنبي، ولم يجد الساخطون وسيلة لإنهاء هذه الحالة إلا بالمطالبة «بتأسيس الحكومة على قواعد الشورى، ومنح بعض المنتخبين من الأهالي حق المشاركة في كليات أعمال الحكومة»، ومعنى هذا تقييد السلطة التنفيذية كإجراء ضروري لإنهاء النفوذ الأجنبي المسيطر عليها، أو إنهاء «الحماية»، وكان بسبب هذا التذمر أن نشأ «حزب خفي من العظماء والكبراء والعلماء والنبهاء سَمُّوا أنفسهم بالحزب الوطني، وجعلوا مركز حزبهم في مدينة حلوان.»
ولم يكن هؤلاء «العظماء والكبراء والعلماء والنبهاء» هم وحدهم المتذمرين من الحكومة، بل انتشر التذمر كذلك بين «رجال العسكرية»، وغرض هؤلاء التخلص من الطبقة الجركسية-التركية في الجيش؛ وهي الطبقة التي احتكرت المناصب العليا واستولت على المرتبات الضخمة، واستأثرت بالترقيات في حين ظل صغار الضباط والجنود «المصريين» محرومين هذا كله.
ويرجع تذمر هؤلاء إلى أيام حملة الحبشة (1876م) لسوء تصرف القيادة العليا والإهمال الذي أودى بحياة ألوف الجند، فتكونت من هؤلاء أيضًا عند عودتهم جمعية سرية، من رجالها أحمد عرابي وعلي فهمي وعلي الروبي، وكان غرضهم في هذا الوقت المبكر، إلى جانب التخلص من الطبقة الجركسية-التركية في الجيش وفتح باب الترقي للمصريين، القضاء على حكومة الخديوي إسماعيل وعزل الخديوي نفسه، ثم تعرف أحمد عرابي بالشيخ محمد عبده ومحمود سامي البارودي ويعقوب سامي وغيرهم، وحصل أول تآزر بين العسكريين و«الوطنيين» المدنيين في حادث مظاهرة 18 فبراير 1879م التي أُقيلت على أثرها — كما عرفنا — وزارة نوبار وهي الوزارة الأوروبية الأولى.
ولا يعنينا في هذه الدراسة ذكر تفاصيل الحوادث الداخلية التي وقعت في أثناء الحركة العرابية، وإنما الذي يعنينا هو ذكر نتائج السياسة العقيمة التي اتبعتها فرنسا من حيث إصرارها على عزل الخديوي إسماعيل، ثم عجزها لسبب سياستها الضعيفة والمترددة بعد ذلك عن الاحتفاظ بالنفوذ المتفوق في شئون مصر الذي كان ينبغي أن يكون لها بعد أن نجحت في إقصاء إسماعيل من الخديوية، فلقد كان هذا العجز والضعف اللذان اتسمت بهما السياسة الفرنسية هما اللذان أتاحا للإنجليز — أكثر من أي شيء آخر — الفرصة لاحتلال مصر.