وكانت سياسة «بارتلمي سانت هيلير»، تؤثر احتلالًا فرنسيًّا-إنجليزيًّا مشتركًا لمصر على احتلال عثماني لها، وأراد «بارتلمي سانت هيلير»، من ذلك صيانة مصالح أصحاب الديون، وإبعاد النفوذ العثماني والحيلولة دون انتشاره (أي النفوذ العثماني) في أفريقيا الشمالية، حيث كانت فرنسا قد فرضت على تونس معاهدة «باردو» (Bardo) أو قصر السعد في 12 مايو 1881م، واعترفت تونس بموجبها بالحماية الفرنسية عليها، فكان «بارتلمي سانت هيلير» يريد إذن أن تتحول «المراقبة المالية» إلى أخرى «عسكرية» بالتضامن مع إنجلترا؛ لمنع العثمانيين من احتلال مصر، وعندما سقطت وزارة «جول فري» (Jules Ferry) وكان «سانت هيلير» وزير الخارجية بها، لم تتغير هذه السياسة في عهد الوزارة الجديدة التي شكَّلها «غمبتا» (Gambetta) في 14 نوفمبر 1881م، وكان وزير الخارجية بها كذلك.
فقد اعتقد «غمبتا» أن الحركة الوطنية في مصر ليست سوى مظهر من مظاهر التعصب الإسلامي الذي اعتقد بوجوده في أفريقيا الشمالية، وبأن انتشار هذا التعصب قد تزايد بسبب حملة الفرنسيين في تونس التي انتهت بمعاهدة «باردو» السالفة الذكر والتي فرضت الحماية الفرنسية على تونس.
وكان «غمبتا» قد استمد آراءه عن الموقف في مصر من نوبار باشا وريفرز ويلسون اللذين كانا في باريس وقتئذٍ؛ ثم إنه كان متأثرًا لحد ما في سياسته نحو مصر بالمصالح المالية اليهودية؛ لأن «غمبتا» من أصل يهودي، فقامت سياسته على منع الاحتلال العثماني لمصر بكل وسيلة، وتمهيد السبيل للتدخل الفعلي المشترك بين إنجلترا وفرنسا، وبالتضامن فيما بينهما؛ وقبل كل شيء تجنب جعل المسألة المصرية مسألة دولية؛ أي تجنب إشراك الدول الأوروبية الأخرى في حل المسألة المصرية، ووضع الحل المنتظر لها في أيدي فرنسا وإنجلترا وحدهما.
وتلاقت السياسة الفرنسية — من حيث جعل التدخل في المسألة المصرية مقصورًا على إنجلترا وفرنسا — مع السياسة الإنجليزية.
فقد أوضحنا سابقًا كيف أن إنجلترا ما كانت تريد المضي في الخطة التي رسمتها فرنسا والتي انتهت بخلع الخديوي إسماعيل، لولا أنها اضطرت لفعل ذلك، وكان جوهر سياستها الاحتفاظ لنفسها بالنفوذ السياسي المتفوق في مصر، ومنع انتقال المسألة المصرية من مسألة تفصل فيها إنجلترا وفرنسا وحدهما فحسب، إلى مسألة دولية يكون للدول الأخرى شأن فعلي في أمرها، وكان ذلك هو السبب الذي جعلها تتعاون مع فرنسا في عامَي 1878م و1879م خوفًا من تدخل ألمانيا وغيرها من الدول.
ولكن سياسة إنجلترا بعد أن اشترت أسهم قناة السويس (1875م) واحتلت جزيرة قبرص (وقد أخذتها من الأتراك في صيف 1878م) وبعد أن احتلت فرنسا تونس في مايو 1881م؛ أخذت تتحول تدريجًا من الاقتصار على منع أية دولة أخرى من احتلال مصر، والامتناع هي نفسها كذلك عن احتلالها (حيث رفضت في 1878م قبول نصيحة ألمانيا وروسيا لها باحتلال مصر) أخذت تتحول إلى التفكير (إذا لزم الأمر) في التدخل الفعلي منفردة، مع ما سوف يستتبعه هذا التدخل المنفرد إذا حصل، من احتلالها لمصر وحدها في النهاية.
ومع ذلك. ففي الوقت الذي أراد فيه «غمبتا» أن يتم احتلال فرنسي-إنجليزي مشترك لمصر، كان العامل المسيطر على السياسة الإنجليزية لا يزال هو تجنب القيام بأي «عمل مادي» (Material action)؛ أي «تدخل مسلح»، والاحتلال تدخل مسلح، كما كان وزير خارجيتها «جرانفيل» يؤثر احتلالًا عثمانيًّا للبلاد على آخر فرنسي-إنجليزي إذا دعت ضرورة الموقف الداخلي في مصر إلى «عمل مادي».
ولكن لَمَّا كانت وزارة الأحرار في إنجلترا برياسة المستر «غلادستون» (Gladstone) (و«جرانفيل» وزير الخارجية بها) تريد وقتئذٍ أن تعقد معاهدة تجارية مع فرنسا على أساس «حرية التجارة» كي تعزز بها مركزها الداخلي في بلادها، فقد صار ساستها يميلون إلى مجاراة «غمبتا» في آرائه، وبصورة مؤقتة حتى ينالوا أغراضهم، مؤملين في الوقت نفسه قرب سقوط الوزارة الفرنسية الجديدة، فكانت هذه المجاراة منشأ «المذكرة المشتركة» وذلك على أساس أن مظاهرة الدولتين للخديوي من شأنه تقوية مسند الخديوية وإضعاف الحزبين: الوطني والعسكري معًا، وما يستتبع هذا من شل نشاط مجلس النواب ومنعه من التعرض لمصالح أصحاب الديون، فقد قال «غمبتا» في محادثة له مع اللورد «ليونس» السفير الإنجليزي في باريس، بصدد استدعاء مجلس النواب المصري (وموعده 24 ديسمبر 1881م): «إن قلبي ليمتلئ رعبًا؛ فليس من الممكن الحزر والتخمين عَمَّا عسى أن تقرِّره تلك الجماعة التي تُسَمِّي نفسها بالحزب الوطني؛ فقد يعمدون إلى تقرير طريقة مختلفة تتعارض مع مصالح الأوروبيين، وإني لا أجد وسيلة للاحتياط لمنع نهضة جديدة أفضل من أن نجعل المصريين يفهمون أن إنجلترا وفرنسا لا يمكنهما أن تحتملا شيئًا من هذه المطالب، ولا تلك النزعات.»
ومع أن «كرومر» (Cromer) ينفي في كتابه «مصر الحديثة» أنه كان للعلاقات التجارية بين إنجلترا وفرنسا أي تأثير على حكومة «غلادستون» في قبولها المذكرة المشتركة، ويعزو هذا القبول إلى أحد أمرين: إما لأن اللورد «جرانفيل» في رغبته مجاراة الحكومة الفرنسية قد تخطى لبرهة قصيرة حدود الحكمة والحذر السياسي؛ وإما لأنه قد عجز عن أن يدرك إدراكًا صحيحًا مدى الأخطار المحيطة بالموقف، فالثابت على كل حال — وسواء كان أم لم يكن للشئون التجارية بين البلدين أي أثر في حمل وزارة غلادستون على «مجاراة» الحكومة الفرنسية — أن الوزارة الإنجليزية أرادت فعلًا مجاراة «غمبتا»، فكانت هذه المذكرة المشتركة.
ففي 15 ديسمبر 1881م اقترح «غمبتا» على «لورد ليونس» في أثناء حديثه معه بشأن قرب اجتماع مجلس النواب، وهو الحديث الذي سبقت الإشارة إليه ضرورة أن تتشاور الحكومتان الفرنسية والإنجليزية فيما يجب عليهما معًا اتخاذه من إجراءات لمواجهة حوادث معينة «ليس من المستحيل» وقوعها في مصر، وقد لاحظ «غمبتا»: «أن الأمر الأول والأعظم أهمية هو أن الحكومتين يجب أَلَّا تكونا متحدتين فقط، بل يجب أن يبرزا اتحادهما هذا بوضوح لأصدقائهما ولأعدائهما معًا في مصر.»
وقد أجاب «جرانفيل» على هذا الاقتراح في 19 ديسمبر بالموافقة على ضرورة التشاور بين الحكومتين، وأن من رأي حكومته أن يبرز دليل يوضح مدى التفاهم الودي الكامل بين الحكومتين الإنجليزية والفرنسية. ولكن الأمر يتطلب تفكيرًا عميقًا فيما يجب اتخاذه من خطوات إذا حدث ثانية أن وقعت اضطرابات جديدة.
وفي 24 ديسمبر فاتح «غمبتا» الحكومة الإنجليزية، عن طريق المسيو «شالميل لاكور» (Challemel Lacour) السفير الفرنسي في لندن في موضوع اشتراك الحكومتين في عمل يؤدي إلى تقوية سلطة الخديوي ومنع تدخل الأتراك في مصر، وفي اليوم نفسه أبرق «ليونس» إلى حكومته أن «غمبتا» يرى أن تكون الخطوة الأولى والمباشرة إصدار تعليمات إلى ممثلي الحكومتين في القاهرة بمناسبة اجتماع مجلس النواب؛ حتى «ينقلا مشتركين إلى توفيق باشا عواطف فرنسا وإنجلترا نحوه وتأييدهما له، وليشجعا سموَّه على التمسك بسلطته الحقة وتوكيدها.»
وقد أبرق جرانفيل بهذا الاقتراح إلى «السير إدوارد مالت» في القاهرة في 26 ديسمبر واستفسر منه إذا كان لا يوجد لديه ما يعترض به على هذا الاقتراح، وأجابه «مالت» في اليوم التالي (27 ديسمبر) أن ليس لديه ما يعترض به عليه، ولكنه أضاف أن التأييد الذي سوف يحتاج إليه الخديوي إنما هو أن تبذل الدولتان جهدهما للمحافظة على «استقلال مجلس النواب» الذي يُخشى عليه من غيرة الباب العالي وسوء ظنه بالنظم النيابية، وكان معروفًا للسير إدوارد مالت الذي قابل السلطان عبد الحميد في 13 سبتمبر 1881م، في أثناء عودته بطريق القسطنطينية إلى القاهرة من إجازة قصيرة قضاها بإنجلترا، أن السلطان العثماني لا يرضى عن قيام الحكومة الدستورية في مصر بدعوى «أنه لا يستطيع داخل أملاكه أن يسمح بإقامة الدستور في ولاية من الولايات ويمنعه من ولاية أخرى.»
وأبلغ «جرانفيل» المسيو «غمبتا» أن الحكومة الإنجليزية موافقة على اقتراحه، ووعد «غمبتا» أن يبعث إلى «جرانفيل» (لموافقته عليها) بمُسَوَّدة للتعليمات المشتركة التي يرى إرسالها إلى كل من الممثل الفرنسي وزميله الإنجليزي في القاهرة.
ولكن في يوم 26 ديسمبر كان مجلس النواب قد اجتمع في القاهرة، وافتتح الخديوي المجلس، وكانت قد انتهت قبل ذلك بأيام قلائل (21 ديسمبر) الأزمة التي أُثيرت بين الوزارة والجيش حول المخصصات التي طلبها الجيش في الميزانية، فأبرق «مالت» منذ 21 ديسمبر أن هذه المسألة قد سُويت وأن التسوية تمت وفق مقترحات المراقبين الماليين؛ أي بتخفيض الزيادة المطلوبة للجيش في الميزانية من 268000 جنيه إلى 154000 جنيه.
ولما كانت الفرصة قد أُتيحت للسير إدوارد مالت، لأن يدرس تقرير «لورد ليونس» الذي بعث به إلى حكومته عن مقابلته مع «غمبتا» يوم 15 ديسمبر، وهي المقابلة التي أبدى فيها «غمبتا» ذعره من قرب اجتماع مجلس النواب المصري وانعدام ثقته بهذا المجلس، فقد صار «مالت» يخشى أن تحمل التعليمات المنتظرة له ولزميله الفرنسي ما يحمل الخديوي على الاعتقاد بأن الدولتين تؤيدانه إذا هو وقف موقف «التحفظ» من المجلس ولم يتعاون معه.
ولذلك فقد بادر «مالت» بالإبراق إلى «جرانفيل» يوم 30 ديسمبر 1881م يلح عليه قبل تقرير صيغة التعليمات المشتركة نهائيًّا أن ينظر رسالته التي بعث بها إلى لندن يوم 26 ديسمبر، وكانت هذه تضم إليها مذكرة (Memorandum) من المراقب المالي الإنجليزي «السير أوكلاند كولفن» (Auckland Colvin) يشرح فيها رأيه ويبسط الموقف في مصر، ولبرقية «مالت» (في 30 ديسمبر) ولمذكرة «كولفن» (في 26 ديسمبر) أهمية كبيرة؛ من حيث إنهما تضمَّنتا تحذيرًا جديًّا للحكومة الإنجليزية من اتخاذ إجراء ينطوي على أي عداء ضد مجلس النواب وإن كان الغرض الظاهر من اتخاذه تأييد سلطة الخديوي.
أما برقية «مالت» في 30 ديسمبر، فقد جاء بها: «إنه من غير المرغوب فيه أن يلقى الخديوي تشجيعًا يجعله يأمل منا أن نؤيده إذا تمسك بموقف التحفظ من مجلس النواب، فقد دُعِيَ هذا المجلس للانعقاد بموافقة تامة من شريف باشا الذي يعتمد في نجاحه على المجلس، وينتظر أن ينال تأييده، فإذا امتنع الاعتراف بهذا المجلس، أدى ذلك إلى نفع الباب العالي ونيل مآربه، وإلى زيادة نفوذ العسكريين، ثم تقليل ذلك النفوذ الذي لنا الآن كأصدقاء يشجعون الإصلاح المتسم بالاعتدال، وجواب المجلس على خطاب الخديوي يذكرون عنه أنه على درجة عظيمة من الاعتدال.»
وأما رسالة «مالت» في 26 ديسمبر، فقد بدأها صاحبها بقوله إنه بعث إلى حكومته بمذكرة من «السير أوكلاند كولفن»: «عن التطور المحتمل للحركة الوطنية في مصر، وعن الكيفية التي قد تؤثر بها (هذه الحركة) على المراقبة التي لإنجلترا وفرنسا» في هذه البلاد، ثم يستمر «مالت»: «ويبدأ السير أوكلاند كولفن بافتراض أن الحركة سوف تتخذ عاجلًا أو آجلًا شكل الوصول إلى جعل الوزراء مسئولين أمام المجلس وإعطاء المجلس حق مناقشة الميزانية والتصديق عليها، فإذا حدث هذا، تغير مركز المراقبة تغييرًا كبيرًا، ومن رأي السير أوكلاند أن واجب الحكومتين الآن، والحركة لا تزال في طور الطفولة، أن تدليا ببيان رسمي تقولان فيه: إنهما في الوقت الذي تتركان كامل الحرية فيه للمصريين لتدبير ما يريدون من إجراءات تتعلق بحكومتهم الداخلية ما دامت هذه لا تتعارض مع الوضع الذي نالته الدول، لا تتنازلان كذلك بحالٍ من الأحوال عن المصالح المادية التي لهما وعَمَّا يملكانه من ضمانات، وأنهما تبغيان المحافظة على هذه المصالح والتمسك بهذه الضمانات.»
ومذكرة السير أوكلاند كولفن التي أشار إليها مالت في رسالته هذه، بدأت بوصف طبيعة الحركة القائمة في مصر، فقال كولفن إنها قطعًا حركة مصرية موجهة ضد الحكم التركي المستبد، فإن رد الفعل الذي حدث ضد طغيان الخديوي السابق إسماعيل، وتحرر الفكر المصري المطرد نتيجة لاحتكاك المصريين بالأوروبيين، والوضع الشاذ الذي وجدت مصر فيه نفسها بالنسبة لتركيا ولكل من فرنسا وإنجلترا؛ كل ذلك قد أفضى مباشرة إلى الحوادث التي تجري في مصر اليوم … ومع أن الحركة في أصولها موجهة ضد الأتراك فهي في حد ذاتها حركة وطنية (أو قومية) مصرية، وهي تتوخى الحذر في هذه اللحظة في موقفها من الأوروبيين؛ لأنها في حاجة لهم في أثناء صراعها مع أعدائها المباشرين، ولكنها لا تستطيع أن تنظر إليهم بعين الرضا أو أن تبغي في أعماقها إلا أن تتخلص منهم في النهاية.
وانتقل السير أوكلاند إلى بيان الأخطار التي تتهدد المركز الذي تحتله كل من إنجلترا وفرنسا من ناحية هذه الحركة الوطنية (أو القومية) المصرية، فقال إن الخطر خطر مزدوج، مبعثه أوَّلًا: الميل نحو تجاهل الارتباطات المُقَيَّدة بها مصر أو تعديلها، وثانيًا: التخلص من التدخل الأجنبي في فروع الإدارة التي لا توجد ارتباطات بشأنها. فأما عن الخطر الأول فإن مركز المراقبة الإنجليزية-الفرنسية سوف يلحقه تعديل أساسي إذا نال مجلس النواب حق بحث الميزانية والتصديق عليها (أي حق الإشراف على المالية) فللمراقبة الآن أثر فعَّال؛ لأنها تملك مقعدًا في مجلس الوزراء، ولها صوت في أعمال المجلس، واتصالها مستمر بالوزراء أعضائه، وصلاتها بهؤلاء وثيقة. ولكن الحال لا يلبث أن يتبدل إذا حل مجلس النواب محل مجلس الوزراء في حكومة مصر، فلن يكون للمراقبة بمجلس النواب إلا أوهى الصلات، وهي صلات غير مباشرة كذلك، ويتعذر على المراقبة أن تضع ثقتها في مجلس تعتقد أنه سيئ التكوين، ولا يُقَدِّر أعضاؤه المسئولية، ولا يمكنها أن تقبل أية قرارات تصدر عن هذا المجلس، حقيقة سوف يتناول هذا المجلس بحث الميزانية في نطاق الشروط التي جاء بها قانون التصفية. ولكن هذه الشروط ذاتها «مطاطة» حتى إنها لتجعل ممكنًا إساءة التصرف في الميزانية بدرجة تهدد التوازن المالي، وقال السير أوكلاند إنه وزميله الفرنسي قد لفتا نظر شريف باشا إلى هذه المسألة، وإن شريفًا وعد بتعديل مشروع دستوره حتى يأتي متفقًا مع الآراء والملاحظات التي أُبديت له. ولكن المهم هو معرفة إذا كان مجلس النواب يقبل أو لا يقبل هذا التعديل.
وأما عن الخطر الآخر؛ أي رغبة مجلس النواب في الخلاص من التدخل الأوروبي في فروع الإدارة التي لم ترتبط الحكومة المصرية بشأنها بأية ارتباطات دولية قاطعة؛ فقد كان من رأي السير أوكلاند أن أي هجوم يوجه بنجاح ضد فرع من فروع الإدارة هذه سوف يلحق الأذى بالمراقبة ويسلبها ذلك النفوذ الأدبي الذي لها، كما يقضي هذا الهجوم، وبنسبة نجاحه، على السيطرة المادية التي للدول على مصر.
وعلى ذلك كان من رأي السير أوكلاند كولفن، بسبب هذه الأوضاع، وحتى يجد هو وغيره من كبار الموظفين الإنجليز والفرنسيين في مصر، ما يسترشدون به، كما قال، في نشاطهم وسلوكهم في هذه البلاد، أن تبادر الحكومتان الإنجليزية والفرنسية بإظهار ما تريدان أن يكون عليه مسلك أو موقف هؤلاء الموظفين، وحتى تستطيع الحكومة الإنجليزية أن تفعل ذلك وجد كولفن من واجبه أن يعرض على حكوماته «توصيات» معينة هي التي يعنينا من أمرها ما جاء في الفقرات التالية:
إن الحركة القائمة الآن والتي تنشد الحرية لا يجب بحالٍ من الأحوال تعطيلها، إن لها أعداء كثيرين لا يقلون بين الأوروبيين عنهم بين الأتراك، ولكني أعتقد أنها في صميمها نمو لروح الشعب، وأنها موجهة لما فيه خير البلاد، ومن خطل الرأي والسياسة خطلًا عظيمًا مقاومتها وهزيمتها، ولكن يبدو لي بسبب رغبتي هذه نفسها في نجاحها أنه ضروري من مبدأ الأمر أن تعرف هذه الحركة الحدود التي يجب ألَّا تتعداها حتى لا تعظم الآمال التي تنعقد عليها أو ما هو منتظر منها تحقيقه بالدرجة التي يترتب على إخفاقها أن يلحق الإخفاق الكامل بالحركة كلها … لذلك، وكما يتضح مما تقدم، فالسياسة (أو الخطة) التي أدعو إليها هي تأكيد الدول العظمى الصريح والقوى عن طريق وكلائها السياسيين في هذا الظرف الدقيق، (حيث تقوم مصر بإعادة بناء النظام الداخلي) تأكيدها لتلك المصالح المادية التي لها والتي تعتزم التمسك بها في الإدارة (أو الحكومة) على أن تترك للمصريين مطلق الحرية في اتخاذ ما يشاءون من إجراءات لإدارة شئونهم (أو حكومتهم) الداخلية ما دامت هذه الإجراءات ليست متعارضة مع المركز الذي صار للدول.
ويتضح من الخطة أو السياسة التي دعا إليها كولفن في مذكرته هذه، وهي تأكيد المصالح المادية التي للدول العظمى في الإدارة بالطرق الدبلوماسية العادية، معنى قوله: «عن طريق وكلائها السياسيين»؛ أن كولفن يشير على حكومته بضرورة تجنب الاصطدام مع الوطنيين ما دام هؤلاء لا يتعرضون بشيء للمراقبة الثنائية، ولا للاتفاقات المالية القائمة. وكان من هذا الرأي أيضًا السير إدوارد مالت، وكولفن ومالت هما ممثلا الحكومة الإنجليزية على مسرح الحوادث، والمفروض أنهما يحيطان بدقائق الموقف.
وقد وصل تقرير مالت ومذكرة كولفن إلى لندن في 2 يناير 1882م؛ وهو اليوم الذي وصل فيه كذلك مشروع المذكرة المشتركة الذي كان غمبتا قد بعث بمُسَوَّدته إلى السفير الفرنسي في لندن منذ 30 ديسمبر. ومع ذلك فقد أقرَّت الحكومة الإنجليزية للأسباب التي أوضحناها مشروع المذكرة المشتركة.
ووافقت الحكومة الإنجليزية على أن تأخذ برأي فرنسا على أساس احتمال نشوء واحد من الاحتمالات الثلاثة الآتية:
إما لمنع وقوع أزمة.
وإما لمواجهة أزمة يترتب عليها هجوم على قناة السويس.
وإما لمواجهة أزمة قد يكون غرضها عزل الخديوي على يد العسكريين.
وفي 6 يناير 1882م أقرَّت الحكومة الإنجليزية إرسال «المذكرة المشتركة» التي عُرفت باسم مذكرة 7 يناير 1882م، تؤكد فيها الدولتان للخديوي توفيق مؤازرتهما له في وجه الصعوبات التي تحيط بموقفه.
ولكن الحكومة الإنجليزية أبدت «تحفظًا» هامًّا قبل إرسال «المذكرة المشتركة». ففي 6 يناير أبلغ اللورد ليونس السفير الإنجليزي في باريس، كتابة، المسيو «غمبتا»: «أنه مخول من اللورد جرانفيل بإبلاغه أن الحكومة الإنجليزية توافق على مشروع التصريح الذي تضمَّنته مذكرة «غمبتا» بتاريخ 30 ديسمبر 1881م، ولكن بالتحفظ الآتي: وهو أنها (أي الحكومة الإنجليزية) لا تعتبر نفسها مرتبطة بذلك بأي أسلوب خاص للعمل إذا اتضح أن العمل صار ضروريًّا.»
واعتقد «جرانفيل» أن هذا «التحفظ»: عدم الارتباط بأي عمل مادي (Material action) (وهو معنى عدم الارتباط «بأي أسلوب خاص للعمل») كفيل بأن يُفقد «المذكرة المشتركة» كل قيمة عملية لها من ناحية تدخل مسلح فرنسي-إنجليزي؛ على خلاف ما كان يرمي إليه «غمبتا». وزيادة على ذلك فقد اعتقد «جرانفيل» أن هذا «التحفظ» سوف يجعل ممكنًا (عند الضرورة القصوى) الالتجاء إلى إتاحة تدخل الأتراك المسلح في الشئون المصرية: وهو أسلوب العمل الذي كان يفضله «جرانفيل»؛ ولكنه مما كان يتعارض تمامًا مع «سياسة» غمبتا الذي أخذ على نفسه أن يمنع التدخل العثماني، بمختلف أنواعه، وبكل الطرق.