من العلوم التي تقدم بها علم الفلسفة والحكمة. وكان أمير المؤمنين عليه السلام أرجح الفلاسفة والحكماء. ومن كلامه في هذا المجال: أنَا النُّقْطَةُ أنَا الخَطُّ، أنَا الخَطُّ أنَا النُّقْطَةُ، أنَا النُّقْطَةُ والخَطُّ.[1]
وقال جماعة في تفسير هذه الجمل وبيانها: القدرة هي الأصل، والجسم حجاب القدرة، والصورة حجاب الجسم. لأنّ النقطة هي الأصل، والخطّ حجابه ومقامه، والحجاب غير الجسد الناسوتيّ.
وسُئِل عن العالَم العلويّ، فقال: صُوَرٌ عَارِيَةٌ عَنِ المَوَادِّ، عَالِيَةٌ عَنِ القُوَّةِ والاسْتِعْدَادِ، تَجَلَّى لَهَا فَأشْرَقَتْ، وطَالَعَها فَتَلألأتْ، وألْقَى في هُوِيَّتِهَا مِثَالَهُ فَأظْهَرَ فِيهَا أفْعَالَهُ. وخَلَقَ الإنْسَانَ ذَا نَفْسٍ نَاطِقَةٍ إنْ زَكَّاهَا بِالعِلْمِ فَقَدْ شَابَهَتْ جَوَاهِرَ أوَائِلِ عِلَلِهَا، وإذَا اعْتَدَلَ مِزَاجُهَا وفَارَقَتِ الأضْدَادَ فَقَدْ شَارَكَ بِهَا السَّبْعَ الشِّدَادَ.[2]
وقال ابن سينا: لَمْ يَكُنْ شُجَاعاً فَيْلَسُوفاً قَطُّ إلَّا عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وقال الشريف الرضي: من سمع كلامه لا يشكّ أنّه كلامُ من قبع في كَسر بيتٍ أو انقطع في سفح جبل لا يسمع إلّا حسّه، ولا يرى إلّا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من يتغمّس في الحرب، مصلتاً سيفه فيقطّ الرقاب ويجدّل الأبطال، ويعود به ينطف دماً، ويقطر مُهَجاً، وهو مع ذلك زاهد الزهّاد، وبدل الأبدال. وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه التي جمع بها بين الأضداد.[3]
وقال السوسيّ:
وَفي كَفِّهِ سَبَبُ المَوْتِ الوَفِيّ فَمَنْ *** عَصَاهُ مَدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السَّبَبِ
في فِيهِ سَيْفٌ حَكَاهُ سَيْفُ رَاحَتِهِ *** سِيَّانَ ذَاكَ وذَا في الخَطْبِ والخُطَبِ
لَوْ قَالَ لِلحَيّ مُتْ لَمْ يَحْمِيَ مِنْ رَهَبٍ *** أوْ قَالَ لِلْمَيْتِ عِشْ مَا مَاتَ مِنْ رُعُبِ
أوْ قَالَ لِلَّيْلِ كُنْ صُبْحَاً لَكَانَ ولَوْ *** لِلشَّمْسِ قَالَ اطْلُعِي بِالَّليْلِ لَمْ تَغِبِ
أوْ مَدَّ كَفّاً إلَى الدُّنْيَا لِيَقْلِبَهَا *** هَانَتْ عَلَيْهِ بِلَا كَدٍّ ولَا تَعَبِ
ذَاكَ الإمام الذي جِبْرِيلُ خَادِمُهُ *** إنْ نَابَ خَطْبٌ نِيبَ عَنْهُ ولَا يَنُبِ
وَعِزْرَائيلُ مِطْوَاعٌ لَهُ فَمَتَى *** يَقُلْ أمِتْ ذَا يُمِتْ أوْ هِبْهُ لِي يَهَبِ
رِضْوَانُ رَاضٍ بِهِ مَوْلَى ومَالِكُ *** مَمْلُوكٌ يُطِيعَانِهِ في كُلِّ مُنْتَدَبِ
[1] معنى قوله: أنا النقطة مقام الوحدة. وأنا الخطّ مقام الكثرة، إذ ينزل هنا من الوحدة. ومعنى أنا الخطّ أنا النقطة مقام الكثرة، ثمّ يرتقي من هناك إلى مقام الوحدة. وأنا النقطة والخطّ مقام الجامعيّة بين الأثنين، ومقام الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة، إذ سيكون هو النقطة الوحدة بين قوسي الأحديّة والواحديّة والفناء في الذات مع البقاء بالذات.
[2] ورد بحث موجز حول هذا الحديث الشريف في الجزء الثالث من كتابنا «معرفة المعاد» في سلسلة دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة، المجلس 17.
[3] ذكر الشريف الرضي رحمة الله عليه هذه الكلمات مع مطالب نفيسة اخرى في مقدّمته على «نهج البلاغة». وقال المولى فتح الله الكاشيّ شارح «نهج البلاغة» بالفارسيّة في شرح الكلمات المشار إليها: ويدعم القول المذكور أنّ الإمام عليه السلام صلى ليلة الهرير بصفّين ألف ركعة، وأرسل خمسمائة وثلاثة وعشرين منافقاً إلى جهنّم ذخراً ليوم المعاد. وعلوّ مرتبة ذلك أعلى مرتبة على وجه أنّ العقل الحصيف لا يدرك سرادق رفعته. ومن النظم قولهم:
علوّ اوست به جائى كه اختر از پروين *** فشانده در قدمش جمله لولوئى منثور
زهى به علم ازل في البديهه حل كرده *** نكات دفتر تورات ومشكلات زبور
كجا شوند به صد قرن ديگران چون او *** ستاره ما جهانتاب كى شود به مرور
يقول: «بلغ علوّه مبلغاً أنّ النجمة والثريّا نثرتا اللؤلؤ على قدمه.
طوبى لمن اوتى علم الأزل فحلّ- على البديهة- نكات التوراة ومشاكل الزبور.
أنّى للآخرين أن يكونوا مثله حتى لو مضت مائة قرن؟ وهل تبلغ النجمةُ القمر المنير على تواتر القرون؟».