من جملة العلوم، علم الكيمياء. وكان أمير المؤمنين عليه السلام أكثر أصحاب الكيمياء حظّاً فيه. وقد سئل عليه السلام عن هذه الصنعة، فَقَالَ: هِيَ اخْتُ النُّبُوّةِ، وعِصْمَةُ المُرُوَّةِ، والنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِالظَّاهِرِ، وأنِّي لأعْلَمُ ظَاهِرَهَا وبَاطِنَهَا. هِيَ واللهِ مَا هِيَ إلَّا مَاءٌ جَامِدٌ، وهَوَاءٌ رَاكِدٌ، ونَارٌ جَائِلَةٌ، وأرْضٌ سَائِلَةٌ.
وسئل عليه السلام في أثناء خطبته: هل الكيمياء كانت؟ فقال: كانت وهي كائن. فقيل: من أي شيء؟ فقال: إنَّهَا مِنَ الزّئْبَقِ الرَّجْرَاجِ، والاسْرُبِ والزَّاجِ، والحَدِيدِ المُزْعَفَر، وزِنْجَارِ النُّحَاسِ الأخْضَرِ الخَوَرِ (الحبور- خ ل) إلَّا تَوَقَّفَ عَلَى عَابِرِهِنَّ.
فقيل له: فهمنا لا يبلغ ذلك. فَقَالَ: اجْعَلُوا البَعْضَ أرْضاً، واجْعَلُوا البَعْضَ مَاءً، وأفْلِحُوا الأرْضَ بِالمَاءِ، وقَدْ تَمَّ.
فقيل له: زدنا يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الحُكَمَاءَ القُدَمَاءَ مَا زَادُوا عَلَيْهِ كَيمَا يَتَلَاعَبَ بِهِ النَّاسُ.[1]
وقال ابن رَزّيك أبو الطَّلايع:
عَلِيّ الذي قَدْ كَانَ نَاظِرُ قَلْبِهِ *** يُرِيهِ عَيَاناً مَا وَرَاءَ العَوَاقِبِ
عَلِيّ الذي قَدْ كَانَ أفْرَسَ مَنْ عَلَا *** عَلَى صَهَواتِ الصَّافِنَاتِ الشَّوَارِبِ
(وتتميّز هذه الخيول على أمثالها، وأنّ امتطاءَها أعسر من امتطاء غيرها).
[1] تحدّث المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 14، ص 332، طبعة الكمبانيّ، في كتاب السماء والعالم عن إمكان وعدم إمكان تبدّل بعض الفلزّات بنوع آخر. قال: ذهب كثير من العقلاء إلى أنّ تكوّن الذهب والفضّة بالصنعة. وذهب ابن سينا إلى أنّه لم يظهر له الإمكان فضلًا عن الوقوع، لأنّ الفصول الذاتيّة التي بها تصير هذه الأجساد أنواعاً امور مجهولة، والمجهول لا يمكن إيجاده. نعم يمكن أن يعمل النحاس بصبغ الفضّة، والفضّة بصبغ الذهب، وأن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص، لكنّ هذه الامور المحسوسة يجوز أن لا تكون هي الفصول بل عوارض ولوازم. واجيب ابن سينا بأنّا لا نسلّم اختلاف الأجسام بالفصول والصور النوعيّة بل هي متماثلة لا تختلف إلّا بالعوارض التي يمكن زوالها بالتدبير. ولو سُلّم وقُبل كلامكم، نقول: إن اريد بمجهوليّة الصور النوعيّة والفصول الذاتيّة أنّها مجهولة من كلّ وجه فممنوع، كيف وقد عُلم أنّها مبادٍ لهذه الخواصّ والأعراض. وإن اريد أنّها مجهولة بحقائقها وتفاصيلها، فلا نسلّم أنّ الإيجاد موقوف على العلم بذلك، وأنّه لا يكفي العلم بجميع الموادّ على وجه حصل الظنّ بفيضان الصور عنده لأسباب لا تُعلم على التفصيل كالحيّة من الشعر، والعقرب من البادروج ونحو ذلك. وكفى بصنعة الترياق وما فيه من الخواصّ والآثار شاهداً على إمكان ذلك. نعم، الكلام في الوقوع وفي العلم بجميع الموادّ وتحصيل الاستعداد، ولهذا جُعل الكيمياء في اسمٍ بلا مسمّى. وقال المجلسيّ هنا: أقول: ويظهر من بعض الأخبار تحقّقه، لكنّ علم غير المعصوم به غير معلوم. ورأينا وسمعنا ممّن يدّعي علم ذلك منهم أصحاب خديعة وتدليس، ومكر وتلبيس ولا يتبعهم إلّا مخدوع، وصرف العمر فيه لا يسمن ولا يغني من جوع- انتهى كلام المجلسيّ رحمه الله. وأنا أرى أنّ علم الإكسير وعلم الكيمياء كليهما ممكن. وأنّ مقصود أهل الصنعة من علم الإكسير هو إمكان تبديل النحاس فضّةً وذهباً بواسطة الحَجَر الفلسفيّ والحجر المكرَّم. وفي ضوء ما قاله الخوارزميّ في «مفاتيح العلوم» المقالة الثانية من الباب التاسع، فانّ هذا الحجر يصنع من تركيب بعض الأجزاء الحيوانيّة وبعض الفلزّات المعدنيّة التي تُركّب وتقطّر وتصعَّد وتعقّد وتشمَّع وتُكلَّس وتُلغَم وتُجري عليها أعمال اخرى بواسطة أدوية وعقاقير خاصّة لكي تتصلّب وتتحجّر، واسم هذا هو الإكسير. ثمّ إذا سُحق هذا الحجر بمقدار معيّن كالزاج وخُلط بدهن الشعر، وضُرب بالنحاس المذاب، فانّ الذهب أو الفضّة حسب الاختلاف يُستعمل للإكسير. ومقصودهم من علم الكيمياء هو إمكان إيجاد الذهب أو الفضّة الاصطناعيّة بواسطة تركيب بعض الأعمال الكيمياويّة وتطبيقها. ويرى رجال المختبرات اليوم أنّه يمكن صناعة الذهب أو الفضّة الاصطناعيين كما يصنع الياقوت والزمرّد والعقيق والأحجار الكريمة الاخرى من خلال القيام ببعض الأعمال الكيمياويّة، بَيدَ أنّ نفقات صنعها أكثر من الذهب والفضّة أنفسهما. نعم، كان عند الأئمّة المعصومين عليهم السلام كيمياء، ولم يؤثَر أنّهم ما رسوها. وذهبتُ يوماً إلى منزل أحد العلماء الخطباء لزيارته إذ حلّ ضيفاً في مدينتنا. فكان يقول: عندي كيمياء واريد أن اعطيكها. قلتُ: لا حاجة بي إليها. قال: ولِمَ؟ أنا لم اعطها أحداً حتى الآن. قلتُ: كنتُ مشغولًا بالدراسة في المدارس الدينيّة أيّام شبابي، ونتيجة لكثرة الاشتغال والمطالعة رجوتُ الله تعالى أن لو مدّ اليوم إلى أكثر من 24 ساعة ليتسنّى لي استيفاء حظّي من العلم. وإلى الآن لم يتّفق لي أن أقف عمري على جمع المال. وحقيق بي أن لا أحصل على الذهب والفضّة.
تو به غير علم عشق ار دل نهى *** سنگ استنجا به شيطان مىدهى
لوح دل از فضلة شيطان بشوى *** أي مدرّس درس عشقى هم بگوي
فدعا لي ذلك العالم الكبير، وأثنى عَلَيّ. وتعريب البيتين: «إذا اغريتَ بعلم غير علم العشق، فانّك تعطي الشيطان حجر الاستنجاء.
طهّر قلبكَ من رِجس الشيطان، وأنتَ أيّها المدرّس علّم درس العشقَ أيضاً».