فقد ارتبطت المفاوضات التي انتهت بإبرام معاهدة 7 سبتمبر 1877م، بمفاوضات أخرى كانت تدور في الوقت نفسه بين إنجلترا ومصر من أجل الاتفاق على الوسائل الفعالة للقضاء على تجارة الرقيق في السودانين الشرقي والأوسط وفي الأقاليم المطلة على البحر الأحمر وعلى خليج عدن.
فعلى الرغم من الجهود التي صار يبذلها الخديوي إسماعيل للقضاء على تجارة الرقيق، ظلت إنجلترا تطلب المزيد من هذه الجهود؛ لأن حكومتها كانت تقع وقتئذٍ تحت ضغط شديد من ناحية الرأي العام في بلادها نتيجة للنشاط الذي أبدته «جمعية مكافحة الرق» (The Anti-Slavery Society). ومع أن الخديوي كان يدرك أن من المتعذر تحديد وقت معين لإلغاء تجارة الرقيق إلغاءً تامًّا، وأن هذا الإلغاء يقتضي وقتًا ليس بالقصير لتحقيقه، فقد أصرت الحكومة الإنجليزية على ضرورة إبطال هذه التجارة نهائيًّا من مصر في بحر سبع سنوات. ومن السودان والملحقات المصرية في اثنتي عشرة سنة. ولما كان الخديوي يعاني أزمة مالية حادة، ويبغي مؤازرة إنجلترا له في اجتيازها، والحد من غلواء فرنسا في تحمسها لصيانة مصالح الدائنين من رعاياها خصوصًا، ويبغي علاوة على ذلك نجاح مفاوضاته مع الإنجليز أنفسهم فيما يتعلق باعترافهم بالسيادة المصرية في ساحل البحر الأحمر الغربي والساحل الصومالي؛ فقد رضي بإبرام معاهدة لإلغاء الرقيق مع إنجلترا على هذا الأساس (أي على أساس إبطال أو إلغاء الرقيق في مصر في بحر سبع سنوات وفي السودان في بحر اثنتي عشرة سنة) وكان ذلك في 4 أغسطس 1877م.
وفي رأي المؤرخين أن عقد هذه المعاهدة لم يكن عملًا حكيمًا، ولم تكن توجبه أية ضرورة، وأجمع المعاصرون على أنه كان من المتعذر تنفيذها، كما أجمعوا على أنها كانت السبب الذي أشعل ثورة محمد أحمد المهدي، وأدى إلى ضياع السودان. وكان من رأي غوردون أن الإنجليز أرغموا الخديوي إرغامًا على عقدها، وكتب «الكولونيل ستيوارت» (Stewart) في تقريره عن السودان (Report on the Sudan) الذي رفعه إلى حكومته في 1883م: من المستحيل أن يتوقع إنسان زوال الرق من السودان في عام 1889م؛ أي عند انتهاء فترة الاثنتي عشرة سنة المنصوص عليها في المعاهدة؛ وأن مشكلة عويصة كمشكلة تجارة الرقيق من المتعذر معالجتها بعقد المعاهدات.
والكولونيل ستيوارت هذا هو الذي صحب غوردون بعد ذلك إلى الخرطوم في فبراير 1884م في مهمة إخلاء السودان، ثم قتله الثوار في طريق عودته مع آخرين إلى مصر وقت اشتداد الحصار على الخرطوم في سبتمبر 1884م، وفي ظروف سيأتي ذكرها.
وكان وجه الخطر من عقد «معاهدة الرقيق» هذه أن تضطر مصر إلى اتخاذ إجراءات متطرفة وبعيدة عن الحكمة كي تتمكن من تنفيذ نصوصها، وكان ذلك عين ما حدث.
فقد عُيِّن غوردون حكمدارًا لعموم السودان. وفي 18 فبراير 1877م غادر القاهرة إلى الخرطوم فبلغها في 5 مايو 1877م، وأعد «مشروعًا» يقوم على إحكام الرقابة على نشاط تجار القوافل في الداخل، وعلى منعهم من حمل الرقيق إلى موانئ البحر الأحمر؛ وكان يعتقد أن الزمن وحده كفيل بالقضاء على تجارة الرقيق إذا أمكن تقييدها بصورة تجعل إملاك الرقيق عملًا غير قانوني بعد تاريخ معين، ولكن غوردون لم يلبث أن أُرغم على نبذ سياسة «التقييد» هذه عندما رُفض «مشروعه» ثم طُلب إليه تنفيذ معاهدة الرقيق (عند إبرامها) فاضطر إلى نشر المعاهدة مع «الديكرتو الخديوي» الذي صدر في 4 أغسطس 1877م أيضًا «لتنفيذها»، وذلك بتحريم بيع وشراء الرقيق من الزنوج والحبشان منعًا باتًّا في مصر في مدى سبعة أعوام من تاريخ صدور الديكرتو تنتهي في عام 1884م، وفي مدى اثني عشر عامًا في السودان والملحقات المصرية تنتهي في عام 1889م، وقد نَصَّ هذا الديكرتو على معاقبة أي فرد يُقبض عليه ويُقدم للمحاكمة بتهمة الاتِّجار في الرقيق، بعد هذين التاريخين بالحبس مدة تتراوح بين خمسة شهور وخمس سنوات.
وعلى ذلك فقد بدأ غوردون نشاطه كحكمدار للسودان بمطاردة تجار الرقيق مطاردة عنيفة لا هوادة فيها، وهم الذين كانوا متذمرين منذ أن صدر في 17 مارس 1874م قرار احتكار تجارة العاج لحساب الحكومة، فكان من أثر هذه المطاردة أن انتشر العصيان، واشتعلت الثورة في كل مكان، وبدأت العمليات العسكرية الواسعة لإخمادها وبخاصة في دارفور (ثورة هارون) وبحر الغزال (سليمان الزبير) وكردفان (صباحي أحد قواد الزبير رحمت السابقين).
وارتكب غوردون عدة أخطاء، منها أنه عزل عددًا كبيرًا من الموظفين المصريين والسودانيين الأكفياء واستبدل بهم جماعة من الأوروبيين، فقد عَيَّنَ في شهر واحد (يوليو 1878م) أربعة عشر أوروبيًّا. وكان من المصريين الذين عزلهم: محمد رءوف باشا حكمدار هرر الذي توهم غوردون أنه يريد الاستقلال في هرر. ومن السودانيين يوسف حسن الشلَّالي الذي عزله غوردون من غير جريرة من حكومة بحر الغزال.
وأما الأوروبيون الذين عَيَّنهم غوردون، فكان منهم «شارل ريجوليه» (Rigolet) الفرنسي، وقد عُيِّنَ مديرًا لداره، و«سلاطين» (Slatin) النمسوي الذي خلف الأول في هذا المنصب، و«إميلياني» (Emiliani) الإيطالي مدير كوبه (كوبي) و«فردريك روسيه» (Rosset) وكان تاجرًا بالخرطوم ووكيلًا لقنصل ألمانيا، وقد جعله غوردون مديرًا لدارفور، وعند وفاته تولى هذا المنصب الإيطالي «ميسيداليا» (Messedaglia)؛ ثم «جيكلر» (Giegler) الألماني الذي عُيِّنَ بالخرطوم مفتشًا على عموم تلغرافات السودان ثم عُيِّنَ بعد ذلك مديرًا عامًّا لمصلحة تجارة الرقيق، وفي مديرية خط الاستواء عَيَّنَ غوردون لحكومتها الأمريكي «براوت» (Prout)، ثم الألماني الدكتور «شنيتزر» (Schnitzer) أو أمين أفندي.
وزيادة على ذلك فقد استخدم غوردون طائفة جديدة من السودانيين لم يكن موفقًا في اختيارهم؛ نذكر منهم: بُساطي مَدني، ومحمد التهامي جلال الدين، وقد عمل الاثنان سكرتيرين لغوردون، ووثق بهما هذا كل الوثوق.
ويقول ميخائيل شاروبيم صاحب «الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث»: إن التهامي كان رجلًا «من شر الرجال وأخبثهم نية وأفسدهم طوية»، وقال عن غوردون بسبب ذلك إنه سلك «مسلكًا نفر منه القلوب وحرك في صدور الأهالي كامن الحقد عليه.» ثم من الذين استخدمهم غوردون: إلياس (باشا) ومحمد إمام الخبيري (باشا) وأولاد محمد إمام الخبيري الثلاثة: حمزة، وأحمد النور، ومحمود إمام، وقد تولوا جميعًا مناصب الحكم والإدارة في كردفان ودارفور؛ ثم إدريس أبتر والنور عنقرة وطيب بك (مدير فاشودة) وسرور أفندي (مدير بور)، وقد قال عنهم صاحب الكافي إنهم: «كانوا سيارة يتَّجرون في الإماء والعبيد والريش وسن الفيل، وأطلق «غوردون» لهم الكلمة حتى تصرفوا في سائر الأمور، فعملوا لغير ما تقتضيه مصلحة البلاد، وبالغوا في منع الاتِّجار بالرقيق، وصادروا التجار في أموالهم وأرزاقهم وضيقوا عليهم سبل الاتِّجار وأقفلوا في وجوههم أبواب الكسب.» فعظم التذمر واشتدت الكراهية للحكومة والسخط عليها.
وكان غوردون يرجو من استخدام كل هؤلاء أن يستطيع بفضل معاونتهم له تنفيذ سياسة الإلغاء الصارمة، ولم يخيب الحكام الجدد الأوروبيون ظنه، فشنوا حربًا شعواء على تجار الرقيق، يصادرون متاجرهم، ويطلقون سراح الإماء والعبيد ويطاردون الجلابين وينكلون بهم، إلى غير ذلك من ضروب الاضطهاد والمضايقة. ولما كان هؤلاء الأوروبيون «مسيحيين» فقد سهل على الأهلين — الذين هم أقرباء لتجار الرقيق ولا يخلو بيت من بيوتهم من وجود الرقيق به — الاعتقاد بأن هذه الحرب التي يشنها «الكفار» عليهم إنما هي حرب دينية قائمة على التعصب الديني. واعتبر الأهلون أن تحرير مواليهم وخروجهم من حوزتهم على أيدي هؤلاء الأجانب «الكفار» اضطهاد ديني من النصرانية للإسلام، ويقول في هذا ميخائيل شاروبيم أيضًا: «وكان شيوخهم وعلماؤهم يؤيدون لهم ذلك بالأدلة المقبولة والشواهد المعقولة، حتى أصبحت عندهم حقيقة لا شك فيها، فكانوا يخفون ما بقلوبهم من نار التألم والحقد على أعمال الحكومة ويرقبون كل سانحة حتى ظهر محمد (أحمد المهدي) وأيقظ الفتنة الراقدة.»
وأما الأثر المباشر لسياسة الشدة والصرامة التي اتبعها غوردون في تنفيذ «معاهدة الرقيق» فقد كان لجوء تجار الرقيق إلى أوكارهم القديمة في بحر الغزال ودارفور، وقيام الثورات بها، وهي الثورات التي سلفت الإشارة إليها، وإرسال الحملات العسكرية ضد هؤلاء الثوار في إقليم بحر الغزال، حيث انتصر الإيطالي «جيسي» على سليمان الزبير، ابن الزبير باشا رحمت، في معركة حامية بالقرب من ديم سليمان في 16 مارس 1879م، وانتهى الأمر بإعدام سليمان بعد تسليمه هو ورجاله، وذلك على يد «جيسي» في 14 يوليو 1879م، ثم في دارفور ضد هارون حفيد السلطان محمد الفضل وأحد أقرباء سلطان دارفور السابق إبراهيم الذي سقط في موقعة منواشي في 24 أكتوبر 1874م عند فتح دارفور، وكان هارون قد لجأ إلى برقو، ثم عاد منها لقيادة الثورة في دارفور واعتصم في جبل مرة فخرج غوردون نفسه لمطاردته وتمكن من هزيمة صباحي في كردفان وأعدمه، ثم عهد بمطاردة هارون إلى «ميسيداليا» وأشرك معه في العمليات العسكرية «إميلياني» مدير كوبي و«سلاطين» مدير دارة، وقُضِيَ على الثورة بقتل هارون على يد نور عنقرة مدير كلكل في أول يوليو 1880م.
تلك إذن كانت نتيجة سياسة الإلغاء التي أصرت الحكومة الإنجليزية على تنفيذها «بدقة وأمانة» إذا شاءت حكومة الخديوي إقامة الدليل على صدق نواياها في مكافحة الرق والنخاسة واحترام معاهدة إلغاء الرق وإبطال تجارة الرقيق في الأقاليم السودانية، ثم وجد غوردون نفسه ملزمًا باتباعها. وفي هذا الرأي مخالفة ظاهرة للقول بأن غوردون قد أقبل عامدًا على تنفيذ سياسة الإلغاء بالعنف والصرامة وأنه كذلك قد ارتكب عامدًا الأخطاء التي ارتكبها، يبغي من ذلك تحريك الثورة في السودان، والتمهيد لفقده وإجبار مصر على إخلائه لصالح بريطانيا، وأما سياسة الإلغاء هذه فقد نشرت الفوضى والاضطراب في السودان.
•••
حقيقة، إنه تبع القضاء على ثورات تجارة الرقيق في بحر الغزال ودارفور هدوء الحالة في السودان؛ ولكن هذا الهدوء كان ظاهريًّا فحسب، فلم ينخدع به أحد من المعاصرين الذين أدركوا حقيقة الأمور، وصاروا يؤكدون أن النار لم تنطفئ جذوتها قط؛ بل إن موجة من التذمر الشديد لا يطمئن إنسان إلى عواقبها تطغى على السودان. ولقد أثبت قيام هذه الثورات، خصوصًا ثورة سليمان الزبير، على أكتاف تجار الرقيق واشتراك صيادي الرقيق، الذين يسمون كذلك بالبحارة لأنهم كانوا يغزون في البحر أو النيل الأبيض، في النضال المسلح ضد الحكومة؛ أن الجلابين كانوا شديدي العزم على مقاومة سياسة الإلغاء بالسيف والنار، أي بنفس الوسائل التي لجأ إليها غوردون ورجاله لتنفيذ هذه السياسة الخاطئة.
وعلى ذلك فقد باتت مهمة الحكومة في الخرطوم، أن تعمل هذه لإحكام الرقابة على نشاط تجار الرقيق حتى يتدعم انتصار الحكومة الأخير عليهم، وحتى يعجزوا عن إلقاء البلاد في أحضان الفوضى من جديد، وتلك مهمة جد خطيرة، ولا سبيل إلى تحقيقها إلا إذا ظلت حكومة الخرطوم مستمتعة بما كان لها من قوة ونفوذ، وفي وسعها اتخاذ كل إجراء سريع وحاسم لإخماد أية اضطرابات قد يثيرها تجار الرقيق.
ولكن هذا الشرط الجوهري؛ أي استمرار الحكومة القوية في الخرطوم، سرعان ما تعذر تحقيقه عندما حدث في الوقت الذي قامت فيه الحملات العسكرية لإخماد الثورة في بحر الغزال ودارفور، أن تدخلت الدول لتخلع إسماعيل من الخديوية، ونجحت في مبتغاها في يونيو 1879م، فترتب على عزل الخديوي في مصر قيام الحركة العرابية التي انتهت بالاحتلال البريطاني للبلاد سنة 1882م. وفي السودان قيام الثورة المهدية سنة 1880م التي أدت إلى ضياع السودان سنة 1885م، ثم إلى إنشاء نظام الحكم الثنائي به بعد استرجاعه سنة 1898م، 1899م.