فتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه، ونظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكان اغمي عليه ممّا ناله فقال: يا عليّ! ما فعل الناس؟ فقال: نَقَضُوا العَهْدَ ووَلَّوُا الدُّبُرَ.
فقال له: فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي! فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكشفهم. ثمّ عاد إليه وقد حملوا عليه من ناحية اخرى، فكرّ عليهم، فكشفهم.
وأبو دجانة، وسهل بن حنيف قائمان على رأسه، بِيَدِ كلّ واحد منهما سيفاً ليذبّ عنه. وثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلًا، منهم: طلحة بن عبيد الله، وعاصم بن ثابت، وصعد الباقون الجبل. وصاح صائح بالمدينة: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ فانخلعت لذلك القلوب، وتحيّر المنهزمون، فأخذوا يميناً وشمالًا. وكانت هند بنت عتبة جعلت لوحشي جعلًا على أن يقتل رسول الله، أو أمير المؤمنين، أو حمزة بن عبد المطّلب عليهم السلام.
فقال وحشي: أمّا محمّد، فلا حيلة لي فيه لأنّ أصحابه يطيفون به. وأمّا عليّ، فإنّه إذا قاتل، كان أحذر من الذئب. وأمّا حمزة فإنّي أطمع فيه، لأنّه إذا غضب لم يبصر بين يديه. وكان حمزة يومئذٍ قد اعلم بريشة نعامة في صدره.[1]
فكمن له وحشيّ في أصل شجرة، فرآه حمزة، فبرز بالسيف فضربه ضربة أخطأت رأسه. قال وحشيّ: وهززتُ حربتي حتى إذا تمكّنت منه رميته فأصبته في ارْبَته فأنفذته وتركته حتى إذا برد، صرت إليه. فأخذتُ حربتي وشغل عنّي وعنه المسلمون بهزيمتهم. وجاءت هند فأمرت بشقّ بطن حمزة وقطع كبده والتمثيل به. فجدعوا أنفه واذنيه ومثّلوا به، ورسول الله صلى الله عليه وآله مشغول عنه لا يعلم بما انتهى إليه الأمر.
قال الراوي للحديث وهو زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق معه إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة، وسهل بن حنيف؟! فقال: انهزم الناس إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام وحده. وثاب إلى رسول الله نفر. وكان أوّلهم عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيد الله.[2]
فقلت له: وأيْنَ كَانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؟
قال: كانا ممّن تنحّى. قلتُ: وأيْنَ كَانَ عُثْمَانُ؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة.[3] فقال له رسول الله: لَقَدْ ذَهَبْتَ فِيهَا عَرَيضَةٍ.[4] فقلت له: وأين كنتَ أنت؟
قال: كنت ممّن تنحّى. قلتُ له: فمن حدّثك بهذا؟! قال: عاصم، وسهل بن حنيف.
قلتُ له: إنّ ثبوت عليّ عليه السلام في ذلك المقام لعجب، فقال: إن تعجّبت من ذلك، فقد تعجّب منه الملائكة. أما علمتَ أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، ولَا فتى إلَّا عَلِيّ؟
قلتُ: فمن أين عُلم ذلك من جبرئيل؟!
قال: سمع الناس صائحاً يصيح في السماء بذلك، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عنه، فقال: ذاك جبرئيل.
وجاء في حديث عِمران بن حصين أنّه قال: لمّا تفرّق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم احد، جاء عليّ عليه السلام متقلّداً سيفه حتى قام بين يديه. فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، فقال له: مَا بَالُكَ لَمْ تَفِرَّ مَعَ النَّاسِ؟! فقال عليه السلام: يَا رَسُولَ اللهِ! أرْجِعُ كَافِراً بَعْدَ إسْلَامِي؟![5] فأشار له رسول الله إلى قوم انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم. ثمّ أشار إلى قوم آخر، فحمل عليهم فهزمهم. ثمّ أشار إلى قوم آخرين، فحمل عليهم فهزمهم. فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدْ عَجِبَتِ المَلَائِكَةُ وعَجِبْنَا مَعَهَا مِنْ حُسْنِ مُوَاسَاةِ عَلِيّ لَكَ بِنَفْسِهِ؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ومَا يَمْنَعُهُ مِنْ هَذَا وهُوَ مِنِّي وأنَا مِنْهُ؟
فقال جبرئيل: يَا رَسُولَ اللهِ! وأنَا مِنْكُمَا.
[1] قال الواقديّ في «المغازي» ج 1، ص 259: كان أربعة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يعلمون في الزحوف، أحدهم أبو دُجانة كان يعصب رأسه بعصابة حمراء، وكان قومه يعلمون أنّه إذا اعتصب بها أحسن القتال. وكان [أمير المؤمنين] عليّ عليه السلام يُعلم بصوفة بيضاء. وكان الزُّبير يُعلم بعصابة صفراء. وكان حمزة يُعلم بريش نعامة.
[2] قال الطبرسيّ في «إعلام الوري» ص 91: اصيب من المسلمين في غزوة احد سبعون رجلًا منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطّلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان بن الشريد. والباقون من الأنصار. وأقبل يومئذٍ ابيّ ابن خلف وهو على فَرَسٍ له وهو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بُؤْ بِذَنْبِكَ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَوْتَ. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بين الحارث بن الصمّة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه، فوقاه مصعب بن عمير بنفسه، فطعن مصعباً فقتله! فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عَنَزة [العنَزَة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئاً، وفيها سنان مثل سنان الرمح - (م)] فطعن ابيّاً في جربّان الدرع فهوى يخور خوار الثور [حتّى هلك].
[3] ذكر خواند مير في «روضة الصفا» هزيمة عمر وأبي بكر، وفرار عثمان ثلاثة أيّام.
[4] قال ابن الأثير في «النهاية» ج 3، ص 210: العريض: الواسع. وفي حديث احد قال رسول الله صلى الله عليه وآله للمنهزمين: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً، أيْ: وَاسِعَةً.
[5] ورد هذا الموضوع في «روضة الصفا» أيضاً.