تغير الوضعُ تمامًا في العصر البرونزي المتأخر، وتغيَّرَت أحوال فلسطينَ والقدسِ من جميع النواحي المناخية والسياسية والإثنولوجية، وكان هذا العصرُ بمثابةِ خاتمةِ عصرٍ كاملٍ كان في طريقه إلى الزوال.
ولعل ثمَّة عواملَ مهمةً أَدَّت دورًا في تشكيل هذا العصر كان أهمُّها ما يلي:
(1) تغيُّر المُناخ: حيث أصبح مُناخ فلسطين، عمومًا، بعد القرن السادسَ عشرَ قبل الميلاد، أكثرَ جفافًا، وكان أثر ذلك واضحًا على اقتصاد فلسطينَ وحجمِ الاستيطانِ فيها. ويُمكِن أن نُوردَ مثالَين عن تحوُّلات الاقتصاد والاستيطان نتيجةً لتغيُّر المُناخ (1).
(أ) نمطُ استثمارِ الزيتون يشير إلى أن إنتاجَ العصرِ البرونزيِّ الثاني قد تزايدَ كثيرًا، واستمرَّ كذلك طَوالَ هذه الفترةِ في الجزء الشمالي من فلسطين، مما يناقضُ بحدةٍ الانخفاضَ الظاهرَ في مستوى الإنتاج خلال العصرِ البرونزيِّ الأخير.
(ب) أنماطُ الاستيطانِ في موقع تلال عرون Iron — حيث كان الاستيطانُ واسعَ النطاقِ خلالَ العصرِ البرونزيِّ الوسيط — تُشير إلى نقصٍ حادٍّ في المياه خلال الصيف في هذه المنطقة (مما أدَّى إلى جفاف الآبار والينابيع حتى في أفضل السنوات)، وهو ما حَالَ دون الاستيطانِ خلالَ العصرِ البرونزيِّ المتأخر، الأكثرِ جفافًا.
(2) الاحتلال المصري: حيث رافقَ اضطرابَ المُناخِ والزراعةِ والاستيطانِ الضربةُ العسكريةُ الحاسمةُ من مِصرَ التي بدأَت، منذ بدايةِ الدولةِ الحديثةِ وطردِ الهكسوس، تمدُّ حدودها إلى فلسطينَ بأكملها، لتؤسِّسَ أوَّلَ كِيانٍ إمبراطوريٍّ لها. وكان الحيثيونَ قد احتلوا شَمالَ بلادِ الشام، وهكذا اختار المصريونَ والحيثيونَ أن يتقابلوا وجهًا لوجهٍ على أرض الشام. ومعروفةٌ تمامًا نتائجُ هذا النوعِ من صراعات الإمبراطوريات الكبيرة على أرضٍ ليست أرضَها.
وهكذا انقرضَت مدنُ الأطراف الفلسطينيةِ التي كان لها وجودٌ واضحٌ في العصر البرونزيِّ الأوسط، وانكمشَت من السهول الوسطى، وبشكلٍ عام، ظهرَت «مدن العصرِ البرونزيِّ الأخير أصغرَ حجمًا وأفقرَ ماديًّا، وفي الغالب، غيرَ مُحصَّنة، وربما كان ذلك نتيجةً للسياسة الإمبريالية المصرية، التي وَجدَت أن التعامُلَ مع دولٍ تابعةٍ غيرِ مُحصَّنة أفضلُ لها عند التعامُلِ مع ثوراتٍ معاديةٍ مُحتمَلة» (2).
(3) ظهورُ الأقوامِ الرعويةِ غيرِ المستقرةِ في فلسطين، وارتباطُها بمناطق السهوبِ والمرتفعاتِ الفلسطينية، ورغم أنه من الصعب التمييزُ الواضحُ والدقيقُ بين أنواع هذه الأقوامِ إلا أننا نستطيعُ أن نُصنِّفَها إلى أربعةِ أنواعٍ هي:
(أ) عابيرو Apiru: وهو لقبٌ يُستعمَلُ لوصف مجاميعَ من قُطاعِ الطرق، ويبدو أنه يُشيرُ إلى طبقةٍ اجتماعيةٍ أو جماعاتٍ متنازعةٍ مع بعض حكامِ العصرِ البرونزيِّ الأخير، ولكنه لا يُستعمَلُ في أيِّ حالٍ للإشارة إلى أيِّ مجموعةٍ إثنيةٍ معينةٍ في فلسطين، والأحرى هو أن نصوصَ تلِّ العمارنة تشير إلى أناسٍ دُفِعُوا — بسبب الفقرِ أو كارثةٍ شخصيةٍ أخرى — إلى أطراف المجتمع، ففقَدوا وضعَهم المعتادَ وعاشوا مشرَّدينَ كمرتزقةٍ وعمالةٍ مأجورةٍ ولصوص، لم يكونوا فلاحينَ ولا رعاة، ولا هم بدوٌ ولا هم مُستقِرُّون، بل عاشوا بعيدًا عن النمط المألوف والمعايير الاجتماعية(3).
(ب) شاسو Shasaw: وهو اسمٌ يشير إلى مجموعاتٍ ساميَّةٍ غربيةٍ عاشَت في منطقةٍ جغرافيةٍ واسعة تشملُ شرقَ الأردن وأطرافَ الصحراءِ العربية وسيناءَ وبعضَ المناطقِ الهامشيةِ في فلسطين، وهم بدوٌ ورعاةٌ مرتبطونَ بمناطقِ الأطرافِ الواسعةِ التي تُشكِّل حدود فلسطين، وربما يكونونَ قد ظهَروا بسبب الاضطرابِ الاقتصاديِّ في العصر البرونزيِّ الوسيط، وهم بالتالي سكانٌ مُقتَلَعونَ أصبحوا يجوبونَ البلاد رعيًا.
(جـ) شوتو Sutu: ربما كان لهؤلاء ارتباطٌ إثنيٌّ كبيرٌ بالشاسو، ولكن هوية الشوتو الإثنية تتضحُ أكثرَ عند عودتنا إلى أقوام الشوتو العليا والسفلى في الأردن، والتي استوطنَت شَمالَ ووسطَ الأردن في العصرِ البرونزيِّ الأوسط، والتي كانت عمادَ منظومةِ الهكسوسِ الرعوية، كما قلنا، وربما يكونونَ في البرونزيِّ المتأخرِ بقايا هؤلاءِ الأقوامِ الذين اضطرَّتهُم الظروفُ المناخيةُ أو العسكريةُ الجديدةُ إلى التشرُّد والنكوص نحو البداوةِ.
(د) كوشو Kushu أو كوشان Kushan: وهم سكانُ جنوبِ الأردن وفلسطينَ في المنطقة الممتدة من خليج العقبة حتى البحر الميت منذ العصرِ البرونزيِّ الأوسط، والذين ربما يكونونَ قد تدفَّقوا بفعل طردِ الهكسوس والاحتلالِ المصريِّ باتجاه العمقِ الفلسطينيِّ ومتأثرينَ بالمناخ والاقتصادِ المتغيرِ الذي طرأ في البرونزيِّ المتأخر.
ولا بُدَّ لنا من إبداء ملاحظتَين أساسيتَين تخُصُّ هذه الأقوامَ وحركتَها؛ الأولى هي أن هذه الأقوامَ تبدو لنا كأنها كانت مستقرَّةً إلى حدٍّ كبير في الأردن (شرق نهر الأردن) في العصر البرونزيِّ الأوسطِ الأوَّلِ والثاني والثالث، ولكنَّها منذُ الرابعِ ومطلعِ البرونزيِّ المتأخرِ اضطربَت وتحطَّمَت كِياناتُها السياسيةُ والاجتماعية، فاضطُرَّت إلى الهجرة والتشظِّي باتجاه فلسطين؛ بدليل أن شرقَ الأردن في العصر البرونزيِّ المتأخر شهد ظهورَ ممالكَ جديدة، هي باشان وعمون في الشمال وحشبون ومؤاب في الوسط وسعير وآدوم في الجنوب، ثم اختفت ممالكُ «باشان وحشبون وسعير» مع نهاية العصرِ البرونزيِّ المتأخر، وبرزَت «عمون ومؤاب وآدوم» في مطلع العصر الحديدي. انظر الخرائطَ (5، 6، 7).
أمَّا الملاحظةُ الثانيةُ فهي أن هذه الأقوامَ ظهرَت بعد التحلُّلِ والتفسخِ السياسيِّ والإثْنِيِّ للهكسوس إبَّانَ طردِهم من مصر؛ أي إنهم الأقوامُ الناتجة من هذا التحلُّل؛ بدليل أن أغلبَهم من الأموريينَ الذين كانوا أساسَ الهكسوسِ عند دخولِهم إلى مصر.
وتلتقي الملاحظةُ الأولى مع الثانية إذا اعتبرنا تاريخَ الهكسوس دائرةً تتلاقى بدايةُ انطلاقِها مع نهايةِ إقفالِها؛ فقد كانوا من أصلٍ أموريٍّ شاميٍّ وعادوا إلى أصلهم بعد طردهم من مصر، ولكنَّهم كانوا ذوي كِياناتٍ سياسيةٍ واضحة في حين انتهَوا إلى قبائلَ بدويةٍ رعويةٍ تجوبُ جنوبَ بلادِ الشام.
........................................................
1 طومسون، المرجع السابق، ص142.
2 نفسه، ص145.
3 نفسه، ص146.
4 أرمسترونج، كارين، المرجع السابق، ص37.
5 فرانكن، المرجع السابق، ص47.

(4) النزوحُ التدريجيُّ الذي بدأه الحوريون نحو بلاد الشام عامَّةً وفلسطينَ خاصَّةً منذ انضمامِ بعضِهم إلى الهكسوس، ولكنهم ازدادوا ترسُّخًا في فلسطينَ منذ بداية القرن الخامس عشر، ومعروفٌ أن الحوريين يشكِّلون جنسًا إِثْنِيًّا مختلفًا عن السيادة السامية على بلاد فلسطينَ؛ فهم ينتمونَ إلى الأقوام الآرية. «ورغم أنهم لم يدخلوا البلد فاتحينَ أو غُزَاة، فقد كان لهم نفوذُهم القويُّ وتأثيرُهم السائد، حتى إن المصريينَ بدءُوا يطلقونَ اسم «حورو» أو «الأرض الحورية» على أرض كنعان، وكثيرًا ما كان الحوريون يَصِلون إلى مناصب السلطة في «المدينة الدولة»، ويقيمون جنبًا إلى جنبٍ مع الأهالي، ويُعلِّمونهم لغتَهم الأكادية التي أصبحَت اللغةَ الرسميةَ للدبلوماسية، والكتابةَ الصنوبريةَ كذلك (4).»
ويبدو أن التسللَ الحوريَّ كان متواصلًا، وأن صعودَهم للمناصب العليا كان مُتأتيًا من ثقافتهم ومعرفتهم الكتابة، خصوصًا أن اللغةَ التي يستخدمونها لم تكن الحوريةَ بل الأكدية التي كانت قريبةً جدًّا من الكنعانية أو الأمورية؛ لأنها من عائلة اللغاتِ الساميَّة. وتُوضحُ ذلك ألواحُ تلِّ العمارنة التي هي عبارةٌ عن رسائلَ من أمراءِ فلسطينَ إلى ملوك مصرَ مكتوبة باللغة الأكدية وبالكتابة الصنَوبَرية (المسمارية).
وهكذا أعيدَ تشكيلُ البناءِ الإثنيِّ لفلسطينَ في العصرِ البرونزيِّ المتأخر؛ فالكنعانيونَ يمثلونَ الأكثريةَ الساحقةَ للمدن والقرى الأكثرِ استقرارًا منذ العصرِ البرونزيِّ الأوسط، ثم الحوريونَ الذين بدءُوا يحتلُّون، في المدن، المناصبَ العليا بسبب ثقافتِهم ومعرفتِهم للقراءة والكتابة، ثم البدوُ والرعاةُ المشرَّدونَ المُكوَّنون من الشاسو والشوتو والكوشو والعابيرو في الصحراء والأراضي الزراعيةِ الجافَّةِ والسهوب.
كلُّ هذه المقدمةِ لنتوغلَ في المرجعياتِ الأربعةِ الجديدةِ للعصرِ البرونزيِّ المتأخر، وهي المرجعياتُ «الآثاريةُ، التاريخيةُ، الميثولوجيةُ، الدينيةُ»