إنّ الخطوة الأولى لفهم الدّين هي الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه. فالدّين الواقعي لا يعتبر كل معرفة حقا قابلا للاستناد ، بل يشترط فيها الشروط التالية :
أ ـ المعرفة القطعية التي لا تنفكّ عن الجزم والإذعان ورفض المعرفة الظنّية والوهميّة والشكّية ، قال سبحانه :
(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (1). ترى أنّ الآية ترفض كل معرفة خرجت عن إطار العلم القطعي ، ولأجل ذلك يذمّ في كثير من الآيات اقتفاء سنن الآباء والأجداد ، اقتفاء بلا دليل واضح ، وبلا علم بصحته وإتقانه ، يقول سبحانه : (بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ* وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (2).
والقرآن ينقل أخبار الكثير من المضلّلين حيث يعضّون أناملهم من الندم يوم القيامة بقوله : (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) وقالوا : (رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا* رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) (3).
ب ـ تعتبر المعرفة ، إذا كانت نابعة من أدوات المعرفة الحسّية والقلبية أو العقلية ، يقول سبحانه : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (4).
فالسّمع والأبصار رمز الأدوات الحسّية ، والأفئدة كناية عن العقل والإدراكات الصحيحة الفكرية ، والإدراكات الخارجة عن إطار تلك الأدوات غير قابلة للاستناد.
وإنما اعتمد من بين أدوات المعرفة على هذين (الحس والعقل) لأنهما أكثر صوابا وأعظم نتيجة وأما غيرهما من الأدوات التي يعتمد عليها مرضى القلوب فهي غير قابلة للاستناد ، ولهذين الأمرين من أدوات المعرفة شعوب وفروع قد بيّنت في علم «نظرية المعرفة».
نعم هناك سؤال يطرح نفسه وهو أنّه إذا كان اقتفاء الآباء والأجداد وتقليدهم أمرا مذموما فلما ذا جوّزه الإسلام في باب معرفة الأحكام الفرعية العملية؟ إذ يصح لكل مسلم أن يأخذ مذهبه في الفروع والأحكام من إمام الفقه وعالمه ، أو ليس ذلك تقليد لهم كتقليد الكفار لآبائهم؟.
والإجابة على هذا السؤال واضحة ، إذا أخذ الأحكام عن المجتهد البارع المتخصّص في فنّه ، ليس من قبيل التقليد المذموم وهو الرجوع إلى الغير ، وتقليده بلا دليل ، لأنّ رجوع الجاهل إلى العالم واقتفائه أثره رجوع إليه مع الدليل ، وعليه سيرة العقلاء في جميع المجالات ، فالجاهل بالصنعة يرجع إلى عالمها ، وجاهل الطب يرجع إلى خبيره ، وهكذا دواليك ، وهذا كله في الأمور الفرعية.
وأما المسائل الأصولية ، فهي مسائل جذورية ، والأمر فيها يدور بين الإثبات المحض ، كما هو الحال عند الإلهيين ، والنفي المحض كما هو عند الماديّين ، فلا يصحّ التقليد فيها ، إذ ليس هناك قدر مشترك حتى يؤخذ به ويرجع في الزائد عليه إلى المتخصص ، فإن كلّا من الإلهي والمادّي يدّعي كونه متخصصا في هذا العلم.
فلاجل ما ذكرنا ، يجب على الإنسان الغور في المسائل الأصولية من دون جعل فكر سندا وحجّة.
_____________
(1) سورة الأسراء : الآية 36.
(2) سورة الزخرف : الآيتان 22 ـ 23.
(3) سورة الأحزاب : الآيات 66 ـ 68.
(4) سورة النحل : الآية 78.