هناك ثلّة قليلة يشاهدون بعيون القلوب ما لا يدرك بالأبصار ، فيرون جماله وجلاله وصفاته وأفعاله بإدراك قلبي ، يدرك لأصحابه ولا يوصف لغيرهم.
والفتوحات الباطنيّة من المكاشفات والمشاهدات الروحيّة والإلقاءات في الروع غير مسدودة ، بنص الكتاب العزيز. قال سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) (1).
أي يجعل في قلوبكم نورا تفرّقون به بين الحقّ والباطل وتميّزون به بين الصحيح والزائف لا بالبرهنة والاستدلال بل بالشهود والمكاشفة.
وقال سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2).
والمراد من النور هو ما يمشي المؤمن في ضوئه طيلة حياته ، في معاشه ومعاده ، في دينه ودنياه (3).
وقال سبحانه : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (4)، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أنّ المؤمن يصل إلى معارف وحقائق في ضوء المجاهدة والتّقوى، إلى أن يقدر على رؤية الجحيم في هذه الدنيا المادية ، قال سبحانه : (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)(5).
نعم ليس كلّ من رمى أصاب الغرض ، وليست الحقائق رمية للنّبال ، وإنما يصل إليها الأمثل فالأمثل ، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية والفتوحات الباطنية إلّا النذر القليل ممن خلص روحه وصفى قلبه.
وقد بان بهذا البحث الضافي ، أنه ليس لمسلم التوقف عن محاولة التعرف على صفات الله وأسمائه بحجّة أنّه لا مسانخة بين البشر وخالقهم.
نعم ، نحن لا ندّعي أنّ بعض هذه الطرق ميسورة السلوك للعامة جميعا ، بل منها ما هو عام متاح لكلّ إنسان يريد معرفة ربه ، ومنها ما هو خاص يستفيد منه من بلغ مبلغا خاصا من العلم والمعرفة (6).
____________
(1) سورة الأنفال : الآية 29.
(2) سورة الحديد : الآية 28.
(3) أما في الدنيا فهو النور الذي أشار إليه سبحانه بقوله : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) (سورة الأنعام : الآية 122).
وأما في الآخرة فهو ما أشار إليه سبحانه بقوله : (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) (سورة الحديد : الآية 12).
(4) سورة العنكبوت : الآية 69.
(5) سورة التكاثر : الآية 5 ـ 6.
(6) راجع في الوقوف على مفتاح هذا الباب مفاهيم القرآن ، الجزء الثالث ، ص 244 إلى ص 259.