لا شك أنّ القرآن يدعوا إلى مطالعة الطبيعة ... إلّا أنّ الكلام هو في مدى كفاية النظر في الطبيعة ودراستها في البرهنة على المسائل التي طرحها القرآن الكريم مثل قوله سبحانه :
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (1).
(وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) (2).
(لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (3).
(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (4).
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ، وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (5).
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) (6).
إلى غير ذلك من المباحث والمعارف التي لا تنفع دراسة الطبيعة ومطالعة العالم المادّي في فكّ رموزها والوقوف على حقيقتها ، بل تحتاج إلى مبادي ومقدمات عقلية وأسس منطقية.
إنّ مطالعة العالم الطبيعي تهدينا إلى أنّ للكون صانعا عالما قادرا ، ولا تهدينا إلى أنّه سبحانه عالم بكل شيء وقادر على كل شيء ، وانه خالق كل شيء ، ومدبر كل شيء.
فإذا أردنا أن نحدد مدى المعرفة الحاصلة من النظر في الطبيعة ، فلنا أن نقول :
إنّ الإمعان في الطبيعة يوصلنا إلى حدود ما وراء الطبيعة ، ويوقفنا على أنّ الطبيعة تخضع لقوة قاهرة وتدبير مدبّر عالم قادر ، ولكن لا يمكن للإنسان التّخطّي عن ذلك إلى المسائل التي يطرحها القرآن أو العقل ، وللمثال نقول :
أولا : إذا كان ما وراء الطبيعة مصدرا للطبيعة فما هو المصدر لما وراءها نفسها؟
ثانيا : هل ذلك المصدر أزليّ أو حادث ، واحد أو كثير ، بسيط أو مركّب ، جامع لجميع صفات الجمال والكمال أو لا؟
ثالثا : هل لعلمه حدّ ينتهي إليه أو لا؟
رابعا : هل لقدرته نهاية تقف عندها أو لا؟
خامسا : هل هو أوّل الأشياء وآخرها أو لا؟
سادسا : هل هو ظاهر الأشياء وباطنها؟
إنّ هذه المعارف يطرحها القرآن الكريم ويأمر بالتدبّر فيها ويقول : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (7).
والإمعان في الطبيعة لا يفيد في الإجابة عن هذه التساؤلات ، والوقوف على المعارف المطروحة في القرآن.
وعندئذ لا مناص عن سلوك أحد الطريقين : إمّا أن يصار إلى التعطيل وتحريم البحث حول هذه المعارف. وإمّا الإذعان بوجود طريق عقليّ يوصلنا إلى تحليل هذه المعارف ويساعدنا على الوقوف عليها.
إنّ الذين يحرّمون الخوض في هذه المباحث يعتمدون على أنّ التعرّف على حقيقة الذات وكنه صفاتها أمر محال ، ولكن ليس كلّ بحث كلامي ينتهي إلى ذلك الحد ويحاول البحث عن حقيقة الذات الإلهية كما أوضحناه.
إنّ العلوم الطبيعية قد خدمت مسلك الإلهيين وعزّزت موقفهم ، حيث أثبتت أنّ الكون نظام كله ، إلّا أنها قاصرة عن حل كل المشاكل المطروحة في مجال العقائد.
_____________
(1) سورة الشورى : الآية 11.
(2) سورة النحل : الآية 60.
(3) سورة طه : الآية 8 سورة الحشر : الآية 22.
(4) سورة البقرة : الآية 115.
(5) سورة الحديد : الآية 3.
(6) سورة الحديد : الآية 4.
(7) سورة محمد : الآية 24.