انقسمَت الإمبراطوريةُ المقدونيةُ بعد وفاة الإسكندر، وانعقد مؤتمر بابل بين قواد الإسكندر كولاةٍ من قِبَلِ الأسرة المالكةِ المقدونية؛ فقد قرَّر المؤتمر أن يعهد إلى بطليموس بن لاجوس بمصر وإلى لاومدون بسوريا … إلخ.
وصارت القدس جزءًا من أصقاع بلاد الشام الكبيرة التي يحكمها لاومدون. وكانت حروب خلفاء الإسكندر قد بدأَت منذ قيامِ بطليموس بسرقة الناووس الذي يحتوي على رُفات الإسكندر، وهو في طريقه من بابلَ إلى مقدونيا، ونقَلَه إلى منف ثم إلى الإسكندرية … وكان هذا يعني انشقاقًا على حكم برديكاس المركزيِّ للإمبراطورية.
وما إن قُتِل برديكاس (وصيِّ الملكِ الجديدِ ابنِ الإسكندر) ثم تُوفِّي أنتيباتروس حاكمُ بلادِ الإغريقِ حتى أعلن بطليموس عن نواياهُ الواضحةِ في احتلال جوف سوريا Qoele Syria الذي كان يشملُ فلسطينَ وجنوبَ سوريا ويحدُّه شَمالًا جبل حرمون (جبل الشيخ)، وشرقًا نهر الأردن، وغرب البحر المتوسط ومع جوف سوريا كانت فينيقيا أيضًا.1 …
وقد عرض بطليموس الأول (سوتر) وهو مؤسسُ الأسرةِ البطلمية في مِصرَ على لاومدون حاكم سوريا أن يشتريَ منه جوف سوريا، لكن لاومدون لم يوافق على ذلك، فما كان من بطليموس الأول إلا أنه احتلَّها عام (319–318ق.م.)2
قاومَت القدسُ حملةَ بطليموس التي كان يقودها بنفسه، وأعلنَت الولاءَ للاومدون فحاصرها بطليموس وصَعُبَت عليه، ولما علم أن سكانَها اليهودَ يتوقفون عن أعمالهم ولا يحملون أسلحة أيام السبت اختار ذلك اليوم وهاجم المدينة ودكَّ بعض أسوارِها وتمكَّن من اقتحامها ثم سيطر عليها. وقام بسبي نحو مائةِ ألفٍ من اليهود إلى مصر، وأَثقَل من تَبَقَّى في المدينة بالضرائب وعاملَهم بقسوة، ولكنه ما لبث أن تراجع عن سياسته تلك.3
والحقيقة ان هذه الروايةَ — والتي تَمُر سريعًا في تاريخ اليهود — لا يمكنُ أن تكون حقيقة؛ إذ إن مائة ألف من اليهود المَسبيِّين إلى مصر يفوق بأضعافٍ مضاعفةٍ عددَ اليهود المسبيين إلى بابل قبلَ عدَّةِ قرون، ونحن لا ننفي الحادثة بل ننفي عدد المسبيين، ونعتبر ذلك من مبالغات الروايات عن المعارك والحروب.
لقد حصل السبيُ البطلميُّ لليهود، ولكنه تضمَّن بضعةَ آلافٍ منهم، ولكن هذا السبي كان مؤثِّرًا في نتائجه أيضًا؛ فقد أتاح لليهود نقلَ ديانتِهم إلى مصر وشمالِ أفريقيا، وهو أول انتشارٍ واسعٍ وكبيرٍ لليهود خارج يهوذا.
يذكُر المؤرخ اليهودي «يوسيفوس» أن «بطليموس أرسل فريقًا من اليهود إلى مدينة قوريني (شحات) ليستقرُّوا بها؛ ذلك لأنه كان مهتمًّا بتشديد قبضته على هذه المدينة ومدن ليبيا (برقة) الأخرى».4
وهناك عددٌ كبيرٌ من اليهود بقُوا في مصر وأصبحوا في الجيشِ البطلميِّ وسكَن أغلبُهم الإسكندرية، وسرعان ما تأقلموا مع الجوِّ الإغريقي فيها، وتركوا لغتهم الآراميةَ وتعلموا اليونانية، وكوَّنوا لهم جاليةً كبيرةً سكنَت الحيِّ الرابعَ المُسَمَّى «دلتا» من أحياء الإسكندرية الخمسة.5
ويشير هذا إلى أن بطليموس الأول قبل أن يصبح ملكًا على مصر؛ أي عندما كان واليًا على مصر، غزا فلسطينَ والقدسَ وسبى اليهود، بل ونقل بعضًا منهم إلى قوريني (برقَة) في ليبيا «ويُفهم أيضًا من قول يوسف أن العناصر اليهودية الأولى في برقة كانت ذات صبغةٍ عسكرية. وقياسًا على ما حدث بمصر فيُرجَّحُ أن غالبيةَ الجندِ اليهودِ كانوا من الأسرى الذين أتى بهم بطليموس نتيجةَ لغزواتِه المتكررةِ لأرض فلسطين. »6
وهذا يعني أن اليهود انتشَروا الآن خارج القدس على جناحَين؛ أولُهما بقِيَ في بابلَ بعد السبي الأكبر، وثانيهما في مصر وليبيا منذ السبي البطلمي. «ويبدو كذلك أن بعضَ اليهود في أرض يهوذا بفلسطين — والمتمسكين بحرفية الشريعة — لجئوا إلى برْقةَ وانضَموا إلى يهودها إبَّانَ تلك الفترةِ التي تعرَّضوا فيها لمحنةٍ قاسيةٍ عندما أراد أنطيوخس أن يحملَهم على التَّأَغْرُق».7
وفي عام 301ق.م. بعد معركة إبسوس في فريجيا الكبرى، انحلَّت إمبراطورية الإسكندر ودخلَت في مرحلة التفكك النهائي، ولم يعُد هناك طريقٌ لعودتها.
وعندما قرَّر حلفاء بطليموس إعطاءَ جوف سوريا (ومن ضمنها القدس) إلى سلوقس كان قلبُ بطليموس يغلي لفُقدانه جوف سوريا، الذي يعتبر بالنسبة لمصرَ منذ العصورِ الفرعونيةِ القديمةِ عمقًا استراتيجيًّا وعسكريًّا.
«ومن أجل هذا يُعتبَرُ اتفاقُ عام 301ق.م. السببَ المباشرَ في خلق ما يُسمَّى بالمسألة السورية؛ لأن بطليموس يَعتبرُ نفسَه صاحبَ الحقِّ الأوَّلِ في سوريا الجنوبية، وفعلًا عاد واحتلَّها للمرة الرابعة عَقِبَ معركةِ إبسوس. »8
لكن سلوقس تمسَّك باتفاق القُوَّاد، ورأى أن بطليموس قد فقد حقَّه في سوريا، وطالبه بالانسحاب منها، لكنه لم يتخذ أيةَ خطوةٍ إيجابيةٍ بسبب الصداقة التي كانت بين الملكَين، ولكن سلوقس تمسَّك رسميًّا بسيادته على سوريا.
وإذا كانت الدولة السلوقية قد أسَّسَت لنفسها كِيانًا يمتدُّ من الهند إلى سوريا الشمالية، فإن سوريا الجنوبية — ومنها فلسطين — لم تَتبَع لأيٍّ من الدولتَين السلوقية أو البطلمية بل ظلت معلقة، ولو أن هناك ما يشير إلى وجودٍ بطلميٍّ واضحٍ فيها حتى مجيءِ بطليموس الثاني.
أما القدسُ نفسها فقد وقعَت تحت كاهلٍ ثقيلٍ من الضرائب؛ فقد رفض الكاهنُ الأعظمُ للقدسِ دفعَ الجزيةِ التي فرضَها عليه بطليموس، فأرسل بطليموس أحدَ عمالِه إلى القدس ليُرغمَ أهلها على الدفع وهددهم بالطرد، فعظُم القلق في القدس، فأوفدوا رجلًا يُدعَى «يوسف بن طوبياس»، وكان معروفًا بذكائه، فأصبح مديرًا للمال والجُبَاةِ في سوريا وفينيقيا، وأرفقَه بألفَي جنديٍّ مُستَأجَرٍ لهذه الغاية، ليتمكَّن من تحصيل الضرائب بالقوة عند اللزوم.9
وقعَت القدس — ومعها فلسطين — تحت حكم بطليموس حوالي «36» سنة لا نعرفُ خلالها الشيءَ الكثيرَ عن القدس، ولكننا نُرجِّحُ أنها كانت سنواتٍ صعبة؛ إذ يمكنُ أن يكونَ حالُ مدينةٍ مفتوحةٍ مَسبِيَّةٍ مُثقَلَةٍ بالضرائب مترنحةٍ بين الصراعات الدائرة في مملكة حديثة، ما زالت قلقةً إلى حدٍّ كبير.
وفي هذه الفترة واصَل كهنة اليهود استكمال كتابةِ أسفارِهم الباقية؛ إذ ربما كُتبَ جزءٌ من سِفر زكريا (الإصحاحات من 9–14)، وربما كان تاريخُ كتابةِ سِفرِ إرميا هو 306 ق.م. وسِفرِ يونان (يونس) حوالَي 300ق.م.10
.................................................
1 إبراهيم نصحي، تاريخ مصر في عصر البطالمة، ج1، القاهرة، 1976م، ص67.
2 كان غزو بطليموس لسوريا عام 320ق.م.، واستولى على القدس عام 319–318ق.م.؛ أي عندما كان واليًا على مصر وتابعًا للحكومة المركزية المقدونية، ولم تستقر الأمور في فلسطين إلا بعد أن أعلن نفسه ملكًا على مصر عام 305ق.م. وذلك في حدود 301ق.م. وظلَّت فلسطينُ تابعةً لمصر البطلمية قرابة القرن الكامل حيث ضمَّها السلوقيون عام 198ق.م.
3 أبو عليان، عزمي، المرجع السابق، ص102. وانظر كذلك يوسف الدبس، تاريخ سورية، ج3، ص85–106، وانظر عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، ج1، ص35.
4 مصطفى كمال عبد العليم، دراسات في تاريخ ليبيا القديم، بنغازي، 1966م، ص171. وانظر كذلك: Josephus F., “Contra Apionem,” Books 1-II, volume 1, Translated By H. St. J. Thackeray (L.C.L), London 1956. pp. 44–48.
5 مصطفى العبادي، العصر الهيلنستي، مصر، بيروت، 1981م، ص112.
6 عبد العليم، المرجع السابق، ص71.
7 نفسه ص7. وانظر كذلك: N. Slousch, “Jewish and Judaism in Ancient Cyrenaica”.
Being and Appendix to the Report on the Work of the Commission Sent out by the Jewish Territorial Organization (= ITO) for the Purpose of a Jewish Settlement in Cyrenaica, ITO offices, London, 1909.
8 العبادي، المرجع السابق، ص41.
9 العارف، المرجع السابق، ص41.
10 تارن، المرجع السابق، ص224.