شهدَت الفترةُ اللاحقةُ لظهور عِزرا ونحميا، تزمتًا شديدًا في الدين اليهودي؛ ففي فترة القرن الأخير من حياة الإمبراطورية الفارسية كان اليهود يُرسِّخون التقاليدَ والشعائرَ الأصوليةَ لشريعة عِزرا كي يضمنوا نموَ مجتمعٍ يهوديٍّ متماسكٍ وقوي.
ومع ترسُّخ تعاليمِ الشريعةِ ازدادَ ترسيخُ القدسِ كمدينةٍ مركزية، وبَدَتِ القدسُ كما لو أنها استأثرَت بالعبادة الحقيقية، ولم يُوجد، خارجًا عنها، سوى أماكنَ للصلاة المشتركة. ولم يشذَّ عن هذا المبدأ، خلال التاريخ، سوى تجاوزاتٍ نادرةٍ حصلَت كلُّها في العصور القديمة. وبالرغم من تشتُّتِ الشعب فقد توجَّب الاحتفالُ بالأعياد الكبرى، ولا سيَّما الفِصح، وَفْقًا للطقوس، على رابية صهيون، مما جرَّ إلى فريضة حَجٍّ دوريٍّ سنويٍّ إلى الهيكل (1).
ومع تَرَسُّخ تعاليمِ الشريعةِ ازدادَ الإصرارُ على اعتبار «يهوا» إلهًا وحيدًا للعالم رغم أنه ما زال الإلهَ القوميَّ لليهود. ولا بُدَّ لنا من الإشارة إلى أن نزعاتِ التوحيدِ البابليةِ والمصريةِ والفارسية كانت قد وُجدَت قبل التوحيدِ اليهوديِّ لكنَّها ارتبطت على الدوام بمركزية الملكِ البابليِّ أو المصريِّ أو الفارسي، وكانت انعكاسًا لطغيانه وجبروته. أمَّا التوحيدُ اليهوديُّ فقد تجاوَز هذه العقبةَ لأنه كان دينيًّا صرفًا، وينطلق من اليأس العميق بظهور ملكيةٍ قويةٍ وكبيرة؛ فلا مُلك ولا دولة ولا أمة واحدة لهم؛ ولذلك كان الذهاب إلى المطلق يسيرًا لا يصطدم بأية عقباتٍ ملكيةٍ أو إمبراطوريةٍ أو جغرافيةٍ أو متعلقةٍ بالاصطدامات العنيفةِ بين الشعوب والأمم الكبرى. ومن هنا ازداد توترُ المطلقِ عند هؤلاءِ القلةِ من الناس (أهل السبي)؛ لأنهم لا يملكون إلا هذه البقعةَ الصغيرةَ من الأرض؛ ولذلك فإنهم بالكلام والخيال يستطيعون امتلاكَ العالمِ والدنيا والآخرة … إلخ. وهكذا دفَعوا بوحدانية «يهوا» إلى أقصاها ونجحوا في ذلك.
وإذا كان غيرهم قد فشل وتحطمَت محاولاتُهم الوحدانية على أسوار مقاومةِ كهنةِ العباداتِ المحليةِ والقوى الطاردةِ المركزيةِ الأخرى، وإذا نجح الكهنوتُ المقدسيُّ الآن في إقامة وحدانيةٍ صارمةٍ بالفعل، فمَرَدُّ ذلك يعودُ إلى الوضعِ الاحتكاريِّ الذي كان عليه كهنوتُ المعبدِ المقدسي، وانتفاءِ وجودِ منافسينَ أقوياء، أما الملوكُ (الإيرانيون وغيرهم) فأَمَّنُوا لهم التغطيةَ والحماية (2).
وفي أجواءِ مركزيةِ الهيكلِ والربِّ والأعيادِ والشعائرِ هذه نشأَت الأصوليةُ اليهوديةُ متزمتةً مغلقةً على نفسها، ولعل أولى ثمارِ هذه الأصوليةِ هو اضطهادُ السامريينَ ونبذُهم، الأمرُ الذي أدَّى بهؤلاء إلى القيام ببناءِ هيكلٍ في جبل جرزيم ينافسُ هيكلَ القدسِ قُبيل 330 ق.م. حيث ادَّعى السامريون أنه هيكلُ الربِّ الوحيدِ في أرض فلسطين.
ويشير هذا الحادث، ببساطة، إلى أن إقامةَ فكرةِ الهيكلِ المركزيِّ لليهود لم يكنْ يتعلقُ مطلقًا بما له علاقةُ ﺑ «سليمان» بل ﺑ «الربِّ»، سواء كان يهوا أو إيل، وهو ما قصده السامريون، بل إنهم ذهبوا إلى أبعدَ من ذلك عندما اعتبروا أن جبلَ جرزيم هذا هو الجبلُ الذي قدَّم فيه إبراهيمُ ولدَه قُربانًا وليس جبلَ موريا في أورشليم؛ ولذلك ما زال السامريون يجتمعون إلى اليوم فوق قمتِه ليحتفلوا بعيد الفِصح حيث يقدِّمون الحملَ ذبيحةً ويَشْوون لحمَه ويرتلون صلواتِهم باللهجة السامريةِ القديمةِ التي هي، بلا شك، لهجةٌ كنعانية.
ويبدو أن عام 330ق.م. شَهدَ طلاقًا نهائيًّا بين يهود أورشليم واليهودِ السامريين، وما زال هذا بينهم إلى الآن، ومعروفٌ أن سببَ ذلك أصلًا يعودُ إلى استقلالية السامرة الدينية عن يهوذا قبل السبي، وإلى الاختلاف بين العقيدتَين.
وكان من ثمارِ الأصوليةِ هذه أيضًا هجرةُ بعضِ اليهودِ الأصوليين إلى البلدانِ المجاورةِ مثل مصر لتعليم سكانِ يهوذا الذين هاجروا إبَّان السبيِ البابليِّ إلى مصر، والذين كانت عقائدُهم مندمجةً بعقائدِ الأديانِ الأخرى، وخصوصًا الدينَ المصريَّ القديم.
لقد رَوَت لنا بعضُ المروياتِ الآراميةِ أنه حتى سنة 408ق.م. يبدو أن جاليةً من يهوذا في «إلفنتين» الواقعةِ على الذيل بصعيد مصر كانت تُطالِبُ بالمعونة في ثقةٍ من السلطات المدنيةِ والدينيةِ بفلسطين، ويبدو أنها كانت تُقسِّمُ أموالَ المعبدِ بين «يهوذا» وإلهتَين هما زوجتاه فيما يلوح (3).
ويبدو أن تأثيرَ الأصوليينَ على هؤلاء كان واضحًا حتى إننا سنرى جاليةً يهوديةً كبيرةً في مصر في العصر الهيلنستي القادم.
كانت الأصوليةُ اليهوديةُ قد تركَت بصماتِها الواضحةَ في العادات التي ظلَّت بعد ذلك في طابعهم المميز؛ مثل حفظِ السبت، والأعيادِ الثلاثةِ السنويةِ الكبرى، ونظامِ القرابين، وممارسةِ طقوسهم في ظروف الحياةِ المعتادةِ والطارئة؛ سواء فرادى أو جماعة، وتعيينِ الكهنةِ وحقوقِهم وواجباتِهم، ونفوذِ رئيسِ الكهنةِ الذي لا ينازعُهُ منازعٌ في بلوغه مقامَ الزعامةِ في الأمة شيئًا فشيئًا، وتَكَوُّنِ هيئةٍ من الكهَنة النبلاءِ من حوله (4).
ومع بداية القرن الرابع قبل الميلاد دَبَّ الفسادُ في المؤسسةِ الكهنوتية، وبدأَت طموحاتُ الزعامةِ تتناهبُ هذه المؤسسة.
فعلى سبيل المثال أصبح يوحنا، حفيد الياشيب معاصرِ عِزرا، كاهنًا أعلى، لكن أخاه، يشوع، تملَّق الحاكم الفارسي باغوز، الذي وعد يشوع بمنصب الكاهن الأعلى، وأدى هذا الحادث إلى إيقاع عقوباتٍ على نظام القدس وعن استياءٍ مؤقتٍ في الإمبراطورية الفارسية (5).
وفي كل الأحوال كان اليهودُ خلال القرن الذي مضى قبل ظهورِ الإسكندرِ المقدونيِّ قد ثَبَّتُوا أركانَ ديانتِهم، وفصَلوها شيئًا فشيئًا عن الديانات المحيطة بهم، وقاموا بتسريب بعضِ عقائدِ الديانةِ الفارسيةِ الزرادشتيةِ المهيمنةِ مثل الأفكارِ الثنويةِ وقصصِ الملائكةِ والشياطينِ، بالإضافة لتأثيرِ فئةِ العائدينَ إلى القدس من بابل أثناء الحكمِ الفارسي، والذين يُسَمَّونَ «المهستانيون Mehestanist»، والذين كانوا مُشبَّعين بالعقائدِ الفارسيةِ السائدةِ آنذاك.
.................................................
1- إيمار، أندريه وأوبواويه، جانين، المرجع السابق، ص271.
2- توكاريف، سيرغي، المرجع السابق، ص383.
3- إلمسلي، المرجع السابق، ص640.
4- نفسه، ص648.
5- مندنهول، المرجع السابق، ص85.