نذكُر — رغم تحفظِنا على المرويات الدينية اليهودية والتوراتية؛ اعتمادًا على سِفر المكابيين الأول وسِفر المكابيين الثاني، وهما كتابان غيرُ رسميَّين عند اليهود — قصةَ اضطهاد اليهود الذي بدأه الإمبراطور السلوقي أنطيوخس الرابع، الذي تولَّى العرش في 175 قبل الميلاد، وحاول أن يطبق منهجه في هيلينية بلادِ فلسطينَ كلِّها، ومنهم اليهود، فيذكُر قَسْرَهم على قبول التقاليد الهيلنستية، ثم يمضي في سَرد التمرُّد الذي اندلَع ضد السلوقيين في 167 قبل الميلاد، بقيادة كاهن يُدعَى ماتاثياس، والذي أدَّى في النهاية إلى إعادة تأسيسِ مملكةٍ يهوديةٍ مستقلةٍ تُسَمَّى «يهوديا»، ويمكن أن تكون هذه الدولةُ الصغيرةُ أولَ دولةٍ حقيقيةٍ لليهود داخلَ فلسطين، كنوعٍ من الفيدرالية أو الكونفيدرالية.
اشتُقَّ مصطلحُ «المكابي» اللاتيني واليوناني من أصولٍ آرامية «مكابة بمعنى مِطرَقة»، وهو لقب يهوذا، ثالث أبناء متاتياس الخمسة، والذي تولَّى بعد وفاة والده قيادةَ التمرُّد، ويَسرد الفصلُ السابعُ من سِفر المكابيين الثاني قصةَ قتلِهم، دون ذكر أسمائِهم؛ ولذلك لا نعتقد بعلاقتهم بيهوذا المكابي وعائلته، وهو ما يُضعِفُ المرويةَ اليهودية.
لوحةٌ جداريةٌ من القرن السادسِ أو السابعِ في كنيسة سانتا ماريا أنتيكا في المنتدى الروماني، تظهر سلومني (اسمها مؤنث سليمان، وهي والدتهم) في المنتصف مع هالة واسمُها مكتوب بجانبها، والعازارُ على اليسار، واسمه مكتوبٌ فوق رأسه، وكاتبٌ مُسِنٌّ للناموس يُدعى إليزار، والذي رفض أكل لحم الخنزير، وافترَض بعضُ آباءِ الكنيسة أنه والِدُ الإخوةِ السبعة، على الرغم من أن هذا أيضًا غيرُ مذكورٍ في السِّفرَين. لكن هذه المروية أخذَت بُعدًا مسيحيًّا لاحقًا، ورُسِمَت في هذه اللوحةِ باعتبارها جزءًا من تراثِ الاضطهاد.
ويتضح ضعفُ المرويةِ من حقيقة أن الملك السلوقي دمتيريوس جهَّز جيشًا بقيادة باخيدس Bacchides وقُتِلَ يهوذا المكابيُّ وهُزِمَت قواتُهُ سنة 161 ق.م.، ولم يَمُت عن طريق قتلِه مع الستةِ الآخرين، كما في المرويةِ واللوحة، وهو أمرٌ اعتَدْنَا على تزويرِه في أغلبِ المروياتِ الدينية.

شكل 75: موت المكابيين في تابوت بريشيا.

شكل 76: صورةٌ فنيةٌ للمكابيين السبعة، ومعهم أمُّهُم ومعلِّمُهم، الذين قتلَهم في عام 166ق.م. الملكُ السلوقيُّ أنطيوخس الرابعُ أبيفانس، كما تقول الرواياتُ الدينية.
أسَّس يهوذا المكابي دولة أو مملكة يهوديا (يهوديه) الإقليمية الصغيرة. وقد بدأ يهوذا ثورتَه ضد السلوقيين، بعد وفاة أبيه (متتيا)، بهجومٍ ناجح على مدينة القدس عام 164ق.م. هزَم فيه السلوقيين رغم بقاء قلعة «أكرا» بيدهم.
كان أنطيوخس الرابع منشغلًا بصد الفرثيين شرقًا، فتوجه إلى إيران، وأوكَل مهام مملكته إلى «ليسياس»، فقام هذا بحملةٍ استطلاعية في بلاد يهوذا، ورأى أن من الحكمة اتباعَ سياسةٍ معتدلة مع أهلها، فأوقَف اضطهادَ اليهود وحزب القديسين، ودعاهم للعيش جنبًا إلى جنب مع اليهود الهيلنستيين، وأعاد الهيكل إلى «يهوا»، وأعاد الكاهن «مينلاوس» زعيم اليهود المتأغرقين كاهنًا أكبر.
وفي عام 163ق.م. تُوفِّي أنطيوخس الرابع في أصفهان (جاباي)، وجاء بعده ابنه الطفل أنطيوخس الخامس، وكان وصيَّاه هما «ليسياس» و«فيليب»، فتناحرا، وهرب فيليب إلى مصر. واستغل يهوذا المكابي هذه الاضطراباتِ فقام خلال الفترة (164–162ق.م.). بهجماتٍ كثيرةٍ شرقَ الأردن وشمالَ فلسطين، ولم ينتُج عنها شيءٌ سوى القتلِ والتدميرِ الجنوني.
قام ليسياس عام 163ق.م. بمحاولة استعادةِ القدسِ من يهوذا المكابي، وفكِّ الحصارِ عن قواته السلوقية هناك، فانتصر على يهوذا عند بيت صور، وقتل أخاه إلعازر، فتراجَع يهوذا إلى القدس، وتحصَّن بها، فضرب ليسياس حصارَه حولها، وضيَّق عليها، وضربها بالمنجنيق لأيام، لكنَّ أخبارَ الاضطراباتِ التي بدأَت تحدث في العاصمة أنطاكيا جعلَته يستعجلُ الصلحَ مع المكابي، ويُطلِقُ لليهود حُريتَهم الدينيةَ شريطةَ إبقاءِ القيادةِ الكهنوتية بيدِ اليهودِ المتأغرقينَ (الهيلينيين) أو «الحزب الهيليني» وفيه استبدَل مينلاوس الذي قضى مدةً طويلةً بهذا المنصب، ونصَّب مكانه يهوديًّا هيلينيًّا آخرَ هو «الياكيم»، وكان ليسياس قد هدَم القلعة التي أقامها القديسون لمجابهة المَعقِلِ الملكيِّ للسلوقيين، وهو المكان الذي كان مأوًى للحزبِ الهيلينيِّ أثناء الاضطرابات.1
ولم يهدأ يهوذا (الذي يُناصِر حزب القديسين) أمام هذه التغيراتِ التي أحدَثها ليسياس، وما إن استلم الحكمَ السلوقيَّ دمتيريوس الأولُ واختفى تأثيرُ ليسياس، حتى قام يهوذا المكابيُّ بعزل «الياكيم»، فالتجأ الأخير إلى دمتيريوس الأول في أنطاكيا، فوجد الملكُ السلوقيُّ الفرصةَ سانحةً للتدخُّل في أمور القدس، فأرسَل قائده «بكايدس» على رأس جيشٍ كبيرٍ ومعه (الياكيم)، وكان عند أوَّلِ وصولِهم إلى القدس أن قاما بقتل ستينَ معارضًا، فوقَع الرعب بين اليهود، ثم قتَل وسجَن منهم الكثيرَ وأُعيدَ تنصيبُ «الياكيم» رئيسًا للكهنة، وأبقى معه جيشًا ليحميَه، فقام «الياكيم» باضطهاد مُعارِضيه من اليهود.2
كان المكابيُّ يُراقِب ما يحصُل بحذَر، وما إن غادر القائدُ السلوقيُّ حتى دخل المكابيُّ إلى القدس وهدَّد الياكيم، فقام الياكيم بإخبار الملك من جديد.
وهكذا قام الملك بتجهيز حملةٍ جديدةٍ بقيادة «نكانور» عام 161ق.م. وكان يهوذا المكابيُّ في القدس، فتصدَّى له، ودفعه للالتجاء إلى القلعة السلوقية، ثم وقعَت معركةٌ فاصلةٌ بينهما في مدينة «عدسة» في نواحي الرملة، فقتل «نكانور»، وقطع يهوذا رأسَه، وجاء به إلى مدينة القدس، وعلَّقه على أسوارها، وهرب «الياكيم» إلى أنطاكيا.3
هذا ما تذكُره أخبار سِفر المكابيين في العهد القديم التي نتحفظ على تفاصيلها. وتمضي هذه الأخبارُ فتروي أن يهوذا الثائرَ ضد حكمِ الدولةِ السلوقيةِ توقَّع أن يقوم الملكُ بَردَّةِ فعلٍ عنيفةٍ ضدَّه، فما كان منه إلا الاتصال بروما وطلب حمايتها … وكانت روما تبحث عن جيوبٍ مناصرةٍ لها في كِيان المملكةِ السلوقية، فقامت بإخبار الملك السلوقي «دمتيريوس الأول» بأن اليهود موالون لها، وأنها ستُحارِبه إذا عاد إلى ضربهم، لكن روما لم تفِ بوعدها لليهود، واعتبر دمتيريوس هذا التمهيدَ تدخلًا في شئونه الداخلية، فقام بتجهيز جيشٍ جديدٍ بقيادة باخيدس Bacchides ومعه الياكيم، ودارت معركةٌ كبيرةٌ في بئروت (البيرة) شَمالَ القدسِ حيث كان المكابيُّ يتحصنُ وقُتِلَ يهوذا المكابي، وهُزِمَت قواتُه سنة 161ق.م. ثم دخل باخيدس والياكيم القدسَ ونُصِّبَ الياكيمُ رئيسًا للكهنة مرةً أخرى.
..............................................
1 سِفر المكابيين الأول 6: 28–63.
2 نفسه 7: 1–30.
3 نفسه 7: 30–50.