هرب بعضُ يهود القدس من الاضطهاد الديني للسلوقيين ومحاولة إدخالهم في الهيلينية دينًا وتراثًا. وكان حكم أنطيوخس ما زال في سِنِيهِ الأخيرة.
وربما كان من بين الذين هربوا إلى مدينة «مودين» رجلٌ يُدعَى «متتيا» من أسرةٍ تُدعَى أسرةَ الحشمونية Hasmonaeos أو الإشمونية، ولقبُها هذا يوحي بجذورها المرتبطة بالإله «إشمون» إلَه الطب الكنعاني، الذي كان يُعبَدُ على نطاقٍ واسعٍ في فلسطين، والذي طابقَه الإغريق مع الإله «إسكلابيوس»، ولكننا لا نعرف على وجه الدقةِ علاقةَ هذه الأسرةِ بذلك الإله.
وكان ﻟ «متتيا» خمسةُ أولاد؛ هم «يوحنا، سمعان، يهوذا، إلعازر، يوناثان»، وكان يهوذا يلقب ﺑ «مكابيوس» أو «المكابي»، ومعناه «المِطرَقة»، وهو أكثرهم هِمَّةً وقوَّة. ونرى أن أسرة الحشمونية كانت موجودةً أصلًا في مدينة «مودين»، والتي نُرجِّح أن تكون «مدين» التي كانت فيها أسرٌ يهودية، والتي كانت تعبدُ أصلًا الإله «يهوا» قبل أن يصيرَ الإلهَ الأوحدَ لأهل يهوذا. كان موقعُها في جنوب يهوذا متاخمًا للصحراء.
ودليلُنا على أن أسرة الحشمونيين كانت أصلًا في مدينة «مودين» قيام «متتيا»، أبي الأسرةِ في ذلك الوقت، بقتل رسول أنطيوخس الرابع القادم لهيلينية المدينة؛ ولذلك فرَّ من «مودين» إلى الجبال، وأعلن الثورة والعصيان ضد الحكم السلوقي، وقد هزَم حملةً عسكريةً أرسِلَت ضدَّه من القدس.
بعد وفاة «متتيا» عام 166ق.م. بدأَت مرحلةٌ جديدة؛ فقد أسَّس ابنه يهوذا المكابي دولةً جديدةً هي «دولة يهوديا» أو «دولة يهودية» التي قُدِّرَ لها البقاءُ تحت ظلِّ الانقساماتِ والاضطراباتِ السلوقيةِ والبطلميةِ والرومانيةِ مدةً تقتربُ من قرنَين ونصفٍ (164ق.م.–70م)، ولطالما التبس الأمرُ كثيرًا على المؤرخينَ والباحثين، بقصدٍ وبدون قصد، وخلَطوا بين دولتَي «يهوذا Iouda ويهوديا Ioudaia» على اعتبار أن الثانيةَ استمرارٌ للأولى، وأن الفارقَ الصوتيَّ بينهما قليل. وهذا خطأٌ فادح؛ فيهوذا هي الدولةُ الإقليمية التي أخضَعَها نبوخذ نصر إلى مملكته البابلية، ودمَّر عاصمتَها القدسَ (أورشليم)، ولم تستمرَّ تحت الاحتلالِ الفارسيِّ كدولةٍ أو مملكةٍ إقليمية، بل ظلت مدينة القدس وريثةً لتلك الدولة الآفلة، واستمرَّت مدينةُ القدسِ بتبدُّلاتِها الإثنيةِ الدينيةِ المعروفةِ مع الاحتلالَين البطلميِّ والسلوقي.
ولم تكُن نشأة يهوذا على علاقة باليهود كما عرفنا. أما «يهوديا» فهي الدولة التي أنشأها يهوذا المكابيُّ في عام 164ق.م. ولا تطابقُ خارطتُها خارطةَ دولةِ يهوذا، وكانت عاصمتُها القدسَ لفتراتٍ معينةٍ فقط.
جدول 1: ينقسم تاريخ «يهوديا» إلى أربعة عهودٍ موضَّحةً في هذا الجدول: تاريخ مملكة (دولة) يهوديا وأسَرِها الحاكمة.
|
اسم الأسرة
|
الملك (الحاكم)
|
صفته
|
الفترة الزمنية
|
|
المكابية
|
(1) يهوذا المكابي
|
ابن متتيا
|
167–161ق.م.
|
| |
(2) يوناثان
|
أخو يهوذا
|
161–144ق.م.
|
| |
(3) سمعان
|
أخو يهوذا
|
144–135ق.م.
|
| |
(4) يوحنا (هركانوس الأول)
|
ابن سمعان
|
135–106ق.م.
|
|
الحشمونية
|
(5) أرسطو بولوس الأول (فلهلن)
|
ابن يوحنا
|
106–103ق.م.
|
| |
(6) إسكندرينيوس (حنايوس)
|
ابن أرسطو بولوس
|
103–76ق.م.
|
| |
(7) إسكندره (سالوم الكزاندرا)
|
أم إسكندرينيوس
|
76–67ق.م.
|
| |
(8) أرسطو بولوس
|
ابن اسكندره
|
67–63ق.م.
|
| |
(9) هركانوس الثاني
|
أخو أرسطو بولوس
|
63–48ق.م.
|
|
الهيرودية
|
(10) أنتباتر
|
من أصل آدومي
|
48–43ق.م.
|
| |
(11) هيرودوس الأكبر
|
|
43–4ق.م.
|
| |
(12) تقسيم يهوديا إلى أربعة أقسام يحكم ثلاثةً منها أبناء هيرودوس والرابع حاكمٌ روماني، وأصبحَت قيسارية هي العاصمة بدلًا من القدس.
|
ثلاثة أبناء هيرودوس + حاكم روماني
|
4ق.م.–37م
|
| |
(13) هيرودوس أغريبا، عودة يهوديا الموحَّدة وعاصمتُها القدس
|
حفيد هيرودوس الأكبر
|
37–44م
|
|
تقسيم يهوديا
|
(14) تقسيم يهوديا إلى أقسام وعاصمتُها قيسارية، حكَم القُدسَ سبعةُ ولاة رومان.
|
|
44–70 م
|

شكل 74: موقع وحدود مقاطعة يهوديا في العصر الهيلنستي.