عندما اعتلى بطليموسُ الخامسُ (أبيفانس، المتجلِّي أو الظاهرُ) (205–180ق.م.) عرشَ مصر كان صبيًّا في الخامسة من عمره، وكانت عصابةُ سوسبيوس وأجاثوكلس تعبث في القصرِ البطلمي. وبعد زمنٍ تقدَّم رئيس حامية بلوزيوم واسمه «تليبو ليموس»، وأعلن الثورة على القصر، ثم أصبح وصيًّا على الملك، ثم جاء بعده «أرستومينس» الذي بدأَت في عصره الحربُ السوريةُ الخامسة (202–200ق.م.) فقد استغل أنطيوخس الثالثُ في سوريا اضطراباتِ الحكمِ في مصر، وصِغَرَ سِنِّ الملك البطلمي، وقام بالزحف جنوبًا، واستولى على سوريا الجنوبيةِ وفينيقيا، وسقطَت غزةُ في يده عام «202» ق.م. ورغم أن أرستومينسَ الوصيَّ حاول إنقاذَ سوريا الجنوبيةِ إلا أنه فشل. وفي هذه الأثناء كانت روما قد حقَّقَت نصرًا كبيرًا على قرطاج في الحرب البونية الثانية، وأصبح مركزُها قويًّا في البحر المتوسِّط، فأرسلت عام «202» ق.م. مبعوثًا رومانيًّا إلى مصر اسمُه «لبيدوس» أشيع أنه أصبح وصيًّا رومانيًّا على بطليموس الخامس، ولكنَّ أحدًا لم يستطعْ أن يُحرِّكَ واقعَ الحالِ الذي فرضَه السلوقيونَ على الأرض، وهكذا أصبحَت بلادُ الشام كلها تحتَ الحكمِ السلوقيِّ نهائيًّا.
حصَل ذلك في عام «200» ق.م. تمامًا … وبذلك انتهى حكمُ البطالمة لفلسطينَ والقدس.
ولم يكن لبطليموسَ الخامسِ الذي كان عمرُه آنذاك عشرَ سنواتٍ أيُّ دورٍ يُذكَرُ في تاريخ القدس. إلا انه في عهده، داخل مصر، وتحديدًا في مدينة أثريبس (محلها الحالي بنها) قام اليهود في مِصر بالانجذابِ إلى سياسة الهيلينية الإغريقية فجعلوا ﻟ «يهوا» مقابلًا إغريقيًّا هو ثيوهبسستوس Theos Hipsistos ومعناه الربُّ الأعلى (وهو اسمٌ استخدَمه فيما بعدُ فيلون اليهودي) (1). وكان هذا الإلهُ يُعبَدُ في آسيا الصغرى، وفي مصر، وتحديدًا في أثريبس، كرَّس اليهودُ معبدًا له باسم «بطليموس الخامس وزوجته الملكة» (2).
وقد ظهرَت جمعيةٌ دينيةٌ تعبُد هيباستيوس على أنه سابازيوس الذي طابقوه مع ربِّ الجنودِ اليهوديِّ «صباءوث» وهو لقبٌ من ألقاب «يهوا». ومن هذه النقطةِ نعثُر على حلِّ اللغزِ الذي كان وراء طردِ الرومانِ لليهود عام 139م؛ فقد قام اليهودُ بإدخال عبادة سابازيوس إلى روما (وكانوا يقصدون به أصباءوث يهوا) تحت اسمٍ إغريقيٍّ قريبٍ منه.
إذن فقد دخل يهودُ الشتاتِ الهيلينيِّ بشكلٍ خاص، في متاهات الدين الإغريقي، وينطبق على ما فعلَه اليهود من المطابقة بين اسمِ المقصورةِ المقدسِ لكاهنةٍ كلدانية وهي «سامبيثون» مع اسم «سامبثوس»؛ أي المولودِ في السبت، وهو اسمٌ يهوديٌّ شائعٌ في مصر … إلخ.
وهكذا أظهر الدينُ اليهوديُّ هشاشتَه اللغويةَ والفلسفيةَ والروحيةَ أمام الثقافةِ الإغريقية، وكان سقوطُه سهلًا تحت أيةِ سلطةٍ دينيةٍ وافدة؛ فقد هبت رياحُ الميثولوجيا الإغريقية عليه وبلبلَت صمودَه التوحيديَّ المزعوم. وسنرى أن سياسة الهيلينية تلك تتضحُ بفاعليةٍ أكبرَ داخلَ فلسطين بل وداخل القدس، وسينتُج عنها صراعٌ كبيرٌ بين القدسِ والسلوقيين.
لم تكن سياسةُ الهيلينية قد اتخذَت طابعًا حادًّا من قِبَلِ البطالمة؛ ولذلك كان البيتُ الدينيُّ الحاكمُ في القدس (يرأسه الكاهن الأكبر أونياس) يميلُ إلى البطالمةَ، أمَّا البيتُ السياسي (يرأسه طوبيا) فقد كان يميلُ إلى السلوقيينَ وإلى سياسة الهيلينية التي كانوا يلوِّحونَ بها.
مع نهاية الصراع لصالح السلوقيينَ بدأ البيتُ السياسيُّ يشتدُّ قوة، وبدأ الانفتاح على الهيلينية داخلَ القدسِ يزداد، وكان ذلك يحصلُ بسبب تذمُّرِ أثرياءِ القدسِ من الضرائب البطلميةِ الكبيرة، واضطرارِ اليهودِ إلى الهجرة عن فلسطينَ إلى الشتات.
وفي حَومةِ ذلك الصراعِ أكمل اليهودُ كتابةَ (سِفرِ الجامعة) حوالي عام 200ق.م. وحمَل هذا السِّفرَ أثرًا هيلينيًّا واضحًا، وكذلك سِفرُ الأمثال، وكان ذلك بمثابةِ نتاجِ تفاعُلٍ بين اليهودية والهيلينية «وربما كانت الهيلنستية اليهوديةُ هي المرأةَ الأجنبيةَ المُلقِيَة بكلامها التي يذكُرها سِفرُ الأمثال، ولكنَّ بيتَها يهبطُ إلى جذور الموت، وقد اتُّهِمُوا بإهمال الخِتان، وأنهم يتَّصفون بكل النقائصِ الخُلُقيَّةِ التي تُنسَبُ عادةً في العهد القديم للمارقينَ المرتدين (3).»
....................................................
1- فيلون اليهودي (30ق.م–50م) وهو أكبر ممثلي التيار اليهودي الهيليني في ذلك العصر، وُلد في الإسكندرية من أسرةٍ يهوديةٍ معروفة وكان يُلقب ﺑ «أفلاطون اليهودي»؛ لأن فلسفته قامت على فلسفة أفلاطون والمذاهب الأفلاطونية بصفةٍ عامة، فضلًا عن تأثُّرها ببعض الأفكار الشرقية القديمة. وكانت غاية فيلون التوفيق بين أسفار التوراة والفلسفة الإغريقية، وهو يرى أن جميع الأحداث والأفكار والشرائع الموجودة في التوراة ذات معنيَين؛ أحدهما ظاهر حرفي، والآخر مجازي يشير إلى حقائقَ أخلاقيةٍ أو فلسفية عرفَتها الفلسفة الإغريقية.
2- تارن، المرجع السابق، ص238.
3- نفسه، ص226.