خاض بطليموس الثاني (فيلادلفيوس؛ أي المحبُّ لأخته) (283–246ق.م.) حربَين كبيرتَين في سوريا؛ هما الحرب السورية الأولى والثانية، ضمن مسلسل الحروبِ الستِّ التي حصلَت بين البطالمة والسلوقيين في فلسطين.
نَشبَت الحرب السورية الأولى عام 276ق.م. حول جوف سوريا الجنوبية، وخرجَت قوات بطليموس لتحتلَّ دِمشقَ لكن أنطيوخس الأول (السلوقي) استرجعَها، فاحتفظَت مصرُ بفلسطينَ وفينيقيا.
أما الحرب السورية الثانية فقد نشبَت عام 262 ق.م. لكنَّ مصر كانت في ظرفٍ دوليٍّ صعب؛ حيث هُزِمَت في أكثرَ من مكانٍ في آسيا الصغرى وسواحل آسيا الغربية وبحر إيجة، وانتهت الحر ب عام 253 ق.م. بصفقة زواجٍ سياسيٍّ تزوج فيها أنطيوخس الثاني ابنة بطليموس الثاني «برنيكي»، شريطة أن يدفع أنطيوخس مبلغًا كبيرًا من المال، إلى جانب تنازل السلوقيين عن المطالبة بجوف سوريا؛ ولذلك سُمِّيَت برنيكي بحاملة المهر Phorno phoros. (1)
ويبدو أن بطليموس الثاني كان متسامحًا مع اليهود؛ فقد رفَع الحظر عن اليهود الأسرى في مصر، وسمح لمن يريد العودة منهم إلى يهوذا أو القدس، رغم أننا لا نملك معلوماتٍ أكيدةً ودقيقةً عن هذا الموضوع، وترجيحُنا لعدم عودة عددٍ كبيرٍ من اليهود إلى فلسطين؛ فقد بَقِيَ أغلبُهم في مصر وليبيا وشكَّلوا فيها جالياتٍ واضحة.
لكن الحدثَ الأهمَّ الذي يُذكَرُ في عهد بطليموس الثاني هو «الترجمة السَّبعونيَّة» لبعض أسفار التوراة إلى اللغة اليونانية Septuagint، وتروي كتب الأخبار القديمة قصصًا أسطورية حول هذه الترجمة علينا تحليلُها وتمحيصُها علميًّا؛ منها أن بطليموس الثاني استقدم إلى الإسكندرية «72» عالِمًا من يهود فلسطين، وكلفهم بأن يقوم كل واحدٍ منهم على انفراد بترجمة التوراة إلى اليونانية، وبعد «72» يومًا فرغوا جميعًا من الترجمة، ولمَّا قورنَت التراجمُ المختلفةُ وُجدَ أنها مطابقةٌ بعضها لبعض، مما يعني أن ترجمةَ الكتابِ المقدسِ قد تمَّت بوحيٍ من الإله حتى لا تختلف كلماتُه عند الترجمة (2).
ويرى وليم وود تورب تارن أن هذه القصةَ ما هي إلا حديثُ خرافة، وأن هذه الترجمةَ امتدت لفترةٍ طويلة من الزمن حيث تمَّ نقلُ الأسفار الخمسة الأولى؛ وهي التوراة في القرن الثالث قبل الميلاد، وتُرجم إشعياء وإرمياء بين (170–132ق.م.) ونُقلَ سِفرُ الأنبياءِ وسِفرُ المزاميرِ بصورةٍ عامَّةٍ حوالي «132» ق.م. على حين أن الكتاب الأخير — وهو سِفرُ الجامعة — لم يُترجَم إلا حوالي «100» ميلادية (3).
ويرى تارن أيضًا أن يهود الإسكندرية قد أصبحوا يستخدمون في الجيل الثاني اللغةَ اليونانيةَ وفقدوا لسانَهم الأصلي، كما يرى أن بطليموس الثاني كان صديقًا لهم بدرجةٍ جعلَت مثلَ هذا العملِ يُنسَبُ إليه (4).
ولا شك إن مشروع الترجمة الطويل قام به يهود مصريون تَأغرَقوا في فترةٍ مبكرة؛ «لأن كثيرًا من اليهود كانوا قد تَأغرَقوا تمامًا وأصبحَت اليونانيةُ هي لغتَهم الوحيدة، وبعد إتمامِ الترجمةِ نجد أن هذا الاتجاهَ يشتدُّ وتُصبِحُ المراسيمُ الدينيةُ تؤدَّى باللغة اليونانية؛ وبالتدريج يفقد اليهود في مصر أيَّ صفةٍ مُميِّزة لهم عن الإغريق، فاتخذوا الزيَّ اليوناني، وتَسَمَّوا بأسماءٍ إغريقية، وتحدَّثوا اللغة اليونانية» (5). أما أوضاعُ القدسِ فيبدو أنها نَعِمَت باستقرارٍ نسبيٍّ في ظل حكم بطليموس الثاني ولم تَرِدنَا أخبارٌ استثنائيةٌ عنها.
............................................
1- نصحي، المرجع السابق، ص118.
2- العبادي، المرجع السابق، ص113.
3- تارن، المرجع السابق، ص236.
4- نفسه.
5- العبادي، المرجع السابق، ص113.