الحماية الدستورية للنفط والغاز الطبيعي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص 231-235
2026-06-06
97
إن دستور 2005 نص على ملكية النفط والغاز وادارتها وتوزيعها من دون الثروات الطبيعية الأخرى مثل الكبريت والفوسفات والزئبق (1) ، فهل كان تنظيمها الدستوري يسعى الى تحقيق الاستدامة المالية ولاسيما أنها قد أعتراها نقص، وتعارض ، وغموض ؟ ومدى تأثير تطبيق هذه النصوص الدستورية في الجيل الحالي والقادم؟ وللاجابة عن هذه التساؤلات سنبحثها في المتوالية الاتية :-
أولا. ملكية النفط والغاز الطبيعي في دستور 2005: نصت المادة (111) منه على النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات"، ولدينا بشأنها ما يأتي:
1. إن النص أعتراه خلل في الصياغة ففي نهاية المادة تضمنت عبارة " في كل الأقاليم والمحافظات" مما أدى الى اختلاف الفقه بشأن ملكية النفط والغاز، فالبعض يرى (2) أن ملكيتهما تعود الى شعب الموجود فيها النفط والغاز في الإقليم أو المحافظة حصراً، بينما يرى البعض (3) إن ملكية النفط والغاز هي ملكية مشاعة للشعب العراقي كله ولا تقبل التجزئة، أما الباحثة فترى أن الرأي الأول سيلحق الضرر لشعب الاتحاد وشعوب الأقاليم ( التي ستنشأ مستقبلاً) والمحافظات غير المنتجة للنفط والغاز الطبيعي، إذ تمثل العائدات النفطية 90% من الموازنة العامة الاتحادية، ومن ثم يؤدي الى حرمان البقية غير المنتجة من الإيرادات النفطية والغازية مما يلحق الضرر للجيل الحالي والجيل القادم على حدٍ سواء، وتميل الباحثة للرأي الثاني بشيوع ملكية النفط والغاز للشعب العراقي جميعه، والامتداد الزمني للملكية للجيل الحالي والجيل القادم، كما يلحظ أن الرأي الثاني ينسجم مع مبدأ حق الشعوب في ثرواتها الطبيعية المنصوص عليها في القانون الدولي العام.
2. إن الملكية تعد حقاً عينياً أصلياً لا تقرر الا للشخص القانوني سواء أكان طبيعياً أم معنوياً ومن ثم فأن الملكية النفط والغاز تؤول الى الدولة التي تتمتع بالشخصية المعنوية على وفق المادة (47) من القانون المدني العراقي كون الشعب العراقي لا يتمتع بالشخصية القانونية، أي: امتلاكه للنفط والغاز ملكية مجازية (4) ، وتتصرف الدولة بالنفط والغاز الطبيعي نيابة عن الشعب العراقي بأكمله بعناصر الملكية الثلاثة ( الاستعمال، والاستغلال، والتصرف)، الا أن النص أعتراه اغفال دستوري جزئي حول التصرف بملكيتهما بصورة سليمة وعدم استنزافها بما يحمي حق الأجيال القادمة بعدم نضوبها (5) ، لذا تهيب الباحثة بالسلطة التأسيسية المشتقة تعديل نص المادة وتقترح الآتي : ( ان جميع مصادر الثروات الطبيعية في الأقاليم والمحافظات كافة، ثروة عامة ملك الشعب العراقي كله، يُقسم ريعها بصورة عادلة وسليمة، بما يضمن حقوق الأجيال الحالية والقادمة).
ثانياً.إدارة وتوزيع النفط والغاز الطبيعي في دستور 2000: إن إدارة وتوزيع النفط والغاز نصت عليها المادة (112) بفقرتيها (أولاً وثانياً) من الدستور العراقي، ولدينا بشأنها الملاحظ الآتية:-
1. أستهل النص بعبارة " تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج" ويلحظ من ذلك أن دور الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز تقتصر على عملية الاستخراج فقط من دون العمليات الأخرى التكرير والإنتاج والتسويق والتصدير، لذا كان من المفترض ان تشمل إدارتهما إدارة شاملة للعلميات أعلاه (6) ، لضمان عدم استنزاف النفط والغاز الطبيعي وحرمان الجيل القادم منه.
2. تضمن النص من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة" ان هذه العبارة قد شابها الغموض حول مصير الحقول المستقبلية، أي التي ستكتشف مستقبلاً (7)، لذا فأن المعالجة الدستورية لهذه العبارة هي إسقاط وصف (الحالية) من النص الدستوري لكي يستقيم ويشمل الإدارة وتوزيع الحقول الحالية والمستقبلية (8) ، كما يوجد غموض حول مصير الأقاليم والمحافظات التي آبارها غير منتجة فمن له الحق في إدارتها، لذا ترى الباحثة إسقاط وصف (المنتجة) لكي تشمل الأقاليم والمحافظات المنتجة وغير المنتجة (غير المستغلة آبارها النفطية والغازية).
3. ذكر النص الدستوري عبارة توزيع الواردات النفطية والغازية على نحو منصف وفق المعايير الاتية: ( التوزيع السكاني درجة المحرومية والضرر والتوازن في التنمية للمناطق المختلفة في البلاد)(9) ولا يقصد بها العدالة التوزيعية بين الأجيال الحالية ،والقادمة، لذا تقترح الباحثة بأضافة معيار رابع وهو عدم استنزاف الثروات الطبيعية كونها مورداً ناضباً غير متجدد من تخصيص نسبة من عوائد الثروات الطبيعية للأجيال القادمة.
4. أختتم النص الدستوري في المادة (112 / أولا) بعبارة وينظم ذلك بقانون"، الا أن قانون النفط والغاز لم يصدر لغاية كتابة هذه السطور.
5. أغفل المشرع الدستوري عن تنظيم إدارة وتوزيع الثروة الطبيعية في المناطق المتنازع عليها (10).
6. إن نص المادة (112) بفقرتيها (أولا /(ثانياً) جعلها المشرع الدستوري ضمن الاختصاصات المشتركة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمحافظات غير المنتظمة في الإقليم، الا أن حكومة الإقليم أعطت الأولوية لنفسها في إدارة وتوزيع النفط والغاز بمقتضى قانون النفط والغاز للإقليم كوردستان العراق رقم (2) لسنة 2007 وبمقتضى أحكام المادة (115) من دستور 2005 وفي ضوئه أبرمت حكومة الإقليم عقود نفط مع الشركات الأجنبية من دون الرجوع الى الحكومة الاتحادية، ومن ثم فإن تنازع الاختصاصات المالية بين السلطة الاتحادية وسلطة الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في الإقليم يمثل عائقاً في تحقيق العدالة في توزيع الثروات الطبيعية (11)، لذا تقترح الباحثة أن تكون إدارة وتوزيع الثروة الطبيعية الاختصاص حصري للسلطة الاتحادية.
ومما تقدم كله يمكننا القول: أن الثروات الطبيعية تعد إحدى حقوق الأجيال القادمة، الا أن دستور 2005 لم يعط لها الأهمية الكافية، فالإشكالات الدستورية التي أعترت المواد (111) و (112) من الدستور العراقي خلق تنازع في الاختصاص ما بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، فالاخيرة قامت بأبرام عقود نفط مع شركات الأجنبية من دون الرجوع الى الحكومة الاتحادية، فضلا عن ذلك بأمتناعها عن إرسال ايراداتها النفطية الى الخزينة العامة، فأن هذه الخروقات الدستورية وعدم معالجتها تؤدي الى استنزاف هذه الموارد الطبيعية ونضوبها والحاق الضرر بالاقتصاد الوطني، ومن ثم فأن هذه النصوص لا تمثل ضمانة دستورية لحقوق الأجيال القادمة من الثروات الطبيعية المستخرجة حالياً، وفي المستقبل، وتجعل من المالية العامة في العراق غير مستدامة.
____________
1- ينظر: د. غازي فيصل مهدي، نصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في الميزان، ط1، موسوعة الثقافة القانونية، بغداد ، 2008 ص24-25 وينظر : د . مها بهجت يونس توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وبين الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في دستور 2005، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية، كلية القانون، جامعة بغداد، المجلد الرابع العشرون العدد الثاني، 2009،، ص 206، وينظر : د. احمد خلف حسين الدخيل صناديق الثروة السيادية بين مثالية الطرح ومتطلبات الحكم الرشيد ط1، الذاكرة للنشر والتوزيع، بغداد ، 2018 ، ص31.
2- ينظر: د. . جواد كاظم البكري، أسس توزيع الثروات في الأنظمة الفدرالية مقال منشور في الموقع الالكتروني المكتبة جامعة بابل المفتوحة الوصول للأوراق البحثية https://repository.uobabylon.edu.iq ، تاريخ زيارة الموقع 2024/12/12 ، وينظر : د. خيري إبراهيم مراد إدارة الثروات الطبيعية في دستور لسنة 2005 العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان (نموجا)، بحث منشور في مجلة القضاء الدستوري العراقي، الصادرة عن المحكمة الاتحادية العليا المجلد الثاني، العدد (1-2)، 2024، ص 127.
3- ينظر د. مها بهجت ،یونس توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وبين الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في دستور 2005 ، المصدر السابق، ص 205 ، وينظر : د. قبس حسن عواد البدراني، الوجيز في قانون المالية العامة، ط 1، مكتبة زين الحقوقية، بيروت، 2018، ، 189.
4- ينظر : د. غازي فيصل مهدي، نصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في الميزان، ط1، موسوعة الثقافة القانونية، بغداد ، 2008، ص 24-25 .
5- ينظر حسین رشید جاسم ود احمد فاضل حسين، حقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية النفط والغاز وفق دستور 2005، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والسياسية كلية القانون والعلوم السياسية جامعة ديالي، المجلد الحادي عشر العدد الثاني الجزء الثاني، 2022، ص 626.
6- ينظر: سرور جعفر عبد الكاظم الخفاجي التنظيم الدستوري والقانوني لملكية وإدارة الثروة النفطية وضماناته في ظل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 (دراسة مقارنة ) رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون جامعة بغداد، 2020، ص 107.
7- ينظر : د. مها بهجت يونس توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وبين الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في دستور 2005، مصدر سابق، ص 206.
8- ينظر: د. غازي فيصل مهدي، نصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في الميزان، ط1، موسوعة الثقافة القانونية، بغداد ، 2008، ص29.
9- ينظر : د. قبس حسن عواد البدراني، الوجيز في قانون المالية العامة، ط 1، مكتبة زين الحقوقية، بيروت، 2018، ، ص191-192.
10- ينظر: سرور جعفر عبد الكاظم الخفاجي التنظيم الدستوري والقانوني لملكية وإدارة الثروة النفطية وضماناته في ظل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 (دراسة مقارنة ) رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون جامعة بغداد، 2020 ، ص 110 ، وينظر : د. خيري إبراهيم مراد إدارة الثروات الطبيعية في دستور لسنة 2005 (العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان (نموجا)، بحث منشور في مجلة القضاء الدستوري العراقي، الصادرة عن المحكمة الاتحادية العليا المجلد الثاني، العدد (1-2)، 2024 ، ص 127.
11- ينظر د. مها بهجت یونس توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وبين الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في دستور 2005، مصدر سابق، ص 206-207، ينظر : د. احمد خلف حسين الدخيل صناديق الثروة السيادية بين مثالية الطرح ومتطلبات الحكم الرشيد ط1، الذاكرة للنشر والتوزيع، بغداد ، 2018 ص77 ، وينظر سرور جعفر عبد الكاظم الخفاجي، المصدر السابق، ص 110.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة